تقديم:
إذا تأملنا كلمة الفلسفة نجد أنها تسمى في جميع اللغات «الفلسفة»؛ فهي في اللغة العربية تسمى الفلسفة، وفي اللغة الفرنسية La Philosophie. هذه اللفظة تنحدر من أصل إغريقي يوناني Philosophia أي محبة الحكمة، وقد عرفت مجموعة من التطورات على مستوى تعريفها، وكذا موضوعها، بداية من العصر الذي نشأتها وصولًا إلى عصرنا الحالي.
إن الفلسفة عند اليونانيين دلت على نمط خاص من التفكير، ولكي نعرف متى ظهرت وأين وكيف، سنحاول أن نعرج على مجموعة من العتبات لتكون فكرة عنها، وفي بداية الأمر سنقف عند مجموعة من العتبات التي ستساعد على فهم المسار الذي مرت منه الفلسفة.
1. إطار النشأة
أ. المكان: أين نشأت الفلسفة؟
ارتبطت نشأة الفلسفة بالعالم اليوناني القديم، غير أن ظهورها الأول لم يكن في مدينة أثينا تحديدًا، بل في المدن اليونانية الواقعة على سواحل آسيا الصغرى، وخاصة مدينة ملطية، قبل أن تنتقل الحركة الفلسفية لاحقًا إلى أثينا التي أصبحت مركزًا أساسيًا للفكر الفلسفي. وقد ساهم الموقع الجغرافي للعالم اليوناني في تهيئة شروط ملائمة لنشأة التفكير الفلسفي؛ فقد كان منفتحًا على مناطق وحضارات مختلفة، مثل مصر وبلاد الرافدين وفينيقيا، بحكم النشاط التجاري والبحري وكثرة التواصل بين الشعوب.
وقد أتاح هذا الانفتاح لليونانيين الاحتكاك بثقافات ومعارف متنوعة، الأمر الذي شجعهم على تجاوز التفسيرات الأسطورية للكون والبحث عن تفسيرات عقلية وطبيعية للظواهر. وهكذا بدأ الإنسان اليوناني ينتقل تدريجيًا من تفسير العالم اعتمادًا على الأسطورة والآلهة إلى محاولة فهمه بواسطة العقل والحجة والملاحظة والتساؤل.
ومن هنا، فإن أهمية المكان في نشأة الفلسفة لا تكمن في كونه مجرد موقع جغرافي، وإنما في كونه فضاءً تاريخيًا وحضاريًا تفاعلت فيه التجارة والانفتاح الثقافي وتعدد الآراء والتحولات الاجتماعية والسياسية، وهي عوامل ساعدت على ظهور نمط جديد من التفكير سيُعرف لاحقًا باسم الفكر الفلسفي.
ب- الزمان: متى ظهرت الفلسفة ؟
ظهرت الفلسفة في القرن السادس قبل الميلاد كنمط من التفكير، حيث يقوم على وضع حدٍّ مع التفكير الأسطوري الذي كان سائدًا، فظهر الحكماء الأوائل ومن بينهم طاليس وأنكسمندر وأنكسيماينس، في مدينة مليطية التي تتواجد في ضفاف آسيا الصغرى، فنعَت هؤلاء بالحكماء الأوائل لأنهم شكلوا مدرسة واحدة واشتغلوا على موضوع واحد هو الطبيعة، فحاولوا البحث عن الأسباب والأصول الأولى التي كانت سببًا في ظهور الأشياء الموجودة في الطبيعة. فطاليس رأى أن أصل الأشياء هو الماء، في حين رأى أنكسمندر أن اللامحدود/اللامتناهي هو أصل الأشياء والذي هو خليط متجانس من العناصر الأربعة: الماء – الهواء – النار – التراب. أما الحكيم الثالث أنكيماينس يرى بأن الهواء هو الأصل.
إن هذه الفترة كانت تسودها الحكمة، خصوصًا مع الحكماء الطبيعيين، حيث قاموا بمعارضة التحليل الأسطوري المفسر لأصل العالم والأشياء، فعن طريق الأساطير كان يتم إعطاء صورة للأشياء، فمثلًا كان ينظر إلى أن الكون خلق عن طريق تزاوج الآلهة فيما بينها، ما أعطى الكواكب والنجوم... فجاء الحكماء لينقدوا هذه الأفكار ويعطون بديلًا لها، وفي القرن الرابع قبل الميلاد سوف يتم الانتقال من فترة الحكمة إلى فترة الفلسفة.
يتبع .......
