المحور الأول: نشأة الفلسفة
2 . فعل النشأة:
تقديم اشكالي:
تُعدّ نشأة الفلسفة في اليونان القديمة من أهم التحولات الفكرية في تاريخ الإنسانية، إذ شهدت هذه المرحلة انتقالًا تدريجيًا من تفسير الظواهر اعتمادًا على الأساطير والمعتقدات التقليدية إلى تفسيرها بالاعتماد على العقل والتأمل والنقد. ولم يكن ظهور الفلسفة وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تضافر مجموعة من العوامل التاريخية والحضارية التي ساهمت في تهيئة الظروف الملائمة لنشأة التفكير الفلسفي، وجعلت اليونان بيئة مناسبة لازدهاره.
فما أبرز هذه العوامل التي ساعدت على ظهور الفلسفة عند اليونان؟
♦ عوامل جغرافية:
تتجلى في موقع أثينا الاستراتيجي، هذا الموقع الذي جعل منها الباب الرئيسي الذي يعبره سكان اليونان إلى آسيا الصغرى قصد استقطاب معالم الحضارة والمدن ومختلف المعالم والأفكار...
تحول أيضًا إلى سوق تجاري كبير وهو التحول الذي جعل الناس يترددون على اليونان من مناطق العالم لممارسة التجارة، لكن هؤلاء الناس حملوا معهم إلى اليونان مختلف المعارف والأفكار والثقافة ... فتحولت أثينا إلى فضاء للنقاش وتبادل الأفكار والآراء، بحيث اشتهرت بساحتها المسماة بساحة الأغورا Agora، وهي الساحة التي اعتبرت فضاء عموميًا تناقش فيه جميع القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية ...
♦ عوامل سياسية:
لقد كان للعوامل السياسية الأثر البليغ في ظهور الفلسفة عند أهل اليونان، وتجسدت هذه العوامل في انتقال النظام السياسي في اليونان من نظام تحكم فيه الطبقة الأولغارشية إلى نظام ديمقراطي يسمح للجميع بالمشاركة في السلطة والحكم عن طريق اختيارهم بواسطة الانتخابات، إضافة إلى انتشار النقاشات السياسية الحرة خاصة في ساحة الأغورا. كذلك ساهم ظهور المساواة بين القرويين وسكان المدينة، بحيث أصبحوا يتمتعون بنفس الحقوق ونفس الأعباء وبدون إقامة فوارق بينها، ويتحاكمون إلى نفس الحكام ويشتركون في نفس البرلمان لمناقشة قضايا الشعب...
♦ عوامل تجارية:
شهدت بلاد اليونان القديمة ازدهارًا ملحوظًا في الفلاحة والصناعة والحرف والتجارة البحرية، مما ساهم في تنشيط الحياة الاقتصادية وتحقيق قدر من الاستقلال المادي لدى بعض المدن اليونانية. ولم تقتصر أهمية المبادلات التجارية على تبادل السلع والثروات، بل شكّلت أيضًا جسورًا للتواصل الحضاري وانتقال المعارف والأفكار بين الشعوب. وقد أتاح هذا الانفتاح لليونانيين الاحتكاك بحضارات مختلفة، والاطلاع على تصورات ومعتقدات متنوعة، الأمر الذي ساهم في توسيع آفاق تفكيرهم وإثارة التساؤل حول ما كانوا يعتبرونه حقائق ثابتة. كما وفّر الازدهار الاقتصادي لبعض الفئات ظروفًا ملائمة للاهتمام بالشأن العام والانخراط في النقاشات الفكرية.
وهكذا، أسهم العامل الاقتصادي، من خلال ما أتاحه من انفتاح وتبادل وتراكم للثروات، في تهيئة المناخ الاجتماعي والثقافي الذي ساعد على ظهور الفلسفة في اليونان، إلى جانب عوامل أخرى متداخلة.
♦ عوامل فكرية ثقافية:
تمثل هذه العوامل الفكرية الثقافية في انتشار الكتابة الأبجدية وتعلم القراءة والكتابة، إضافة إلى مشاركة جميع المواطنين في جميع الحفلات والمسارح للاستمتاع بمختلف الإبداعات الأدبية والفنية، مما أدى إلى انتشار الثقافة وتطور الأفكار، كما عرفت قواعد التفكير تطورًا حيث تأسست على حرية في التعبير واستعمال الحجج والبراهين والقدرة على الحوار والمناظرة باعتماد منطق العقل، أيضًا عرفت اليونان في هذه الفترة تطورًا في الآداب والفنون وازدهار العلوم (الرياضيات، الطب، الفلك...). هذا كله أفضى إلى الانتقال من التفكير الأسطوري (الميثوس Myth) إلى التفكير الفلسفي المبني على قواعد العلم (اللوغوس Logos).
3 . بداية التفكير:
شكّلت نشأة الفلسفة في بلاد اليونان القديمة منعطفًا حاسمًا في تاريخ الفكر الإنساني، إذ شهدت انتقالًا تدريجيًا من التفكير الأسطوري، الذي كان يفسّر الظواهر بالاستناد إلى الحكايات والمعتقدات المرتبطة بالآلهة والقوى الخارقة، إلى التفكير العقلاني القائم على التساؤل والاستدلال والبحث عن الأسباب. ولم يكن هذا التحول قطيعة تامة مع الأسطورة، بقدر ما كان بداية لتشكّل وعي جديد يسعى إلى فهم العالم بواسطة العقل والحجة والبرهان. ومن هذا المنعطف التاريخي، بدأ الإنسان يعيد النظر في تصوّراته عن الكون والوجود، ممهدًا الطريق أمام ظهور الفلسفة بوصفها ممارسة فكرية نقدية تبحث عن الحقيقة وتتجاوز التفسيرات الموروثة. وهذا الانتقال تم من خلال ما يلي:
♦ التفكير الأسطوري: من سحر الحكاية إلى تشكّل الوعي الإنساني
قبل أن تتبلور الفلسفة بوصفها نمطًا عقلانيًا في التفكير، كانت الأسطورة تمثّل الإطار الفكري والرمزي الذي سعى الإنسان القديم من خلاله إلى فهم العالم وتأويل ظواهره الطبيعية، كالزلازل والرعد والبراكين، وإضفاء معنى على ما يحيط به من قوى غامضة وأحداث يتعذّر عليه تفسيرها. ولم تكن الأسطورة مجرد حكاية خيالية عابرة، بل كانت نسقًا من التصورات والمعتقدات التي تجسّد علاقة الإنسان بالكون والمقدّس، وتتداخل فيها الرواية الشفوية بالممارسات الطقوسية والشعائر الدينية.
وتُعرَّف الأسطورة، في هذا السياق، بأنها سرد رمزي يتناول نشأة الآلهة وأفعالها، وأصل الكون وتكوّن العالم، ومصير الإنسان وعلاقته بالقوى الإلهية. وتستمدّ حكاياتها شخصياتها من عالم الآلهة والأبطال والكائنات الخارقة، ومن رموز حيوانية وأسطورية، مثل طائر العنقاء (Phénix)، الذي ارتبط في تقاليد أسطورية مختلفة بمعاني التجدد والانبعاث.
وقد تجلّى حضور هذا الوعي الأسطوري بوضوح في التراث الأدبي اليوناني القديم، ولا سيما في أعمال هوميروس وهوزيود، حيث امتزج الشعر بالتصورات الكونية والدينية، وأصبحت الأسطورة وسيلة لتفسير الوجود وتنظيم التجربة الإنسانية وإضفاء دلالة على العالم. وقد تعود جذور هذا التراث إلى ما قبل القرن السابع قبل الميلاد، فيما وصلتنا نصوصه الأدبية المكتوبة من خلال تقاليد تعود إلى تلك المرحلة وما جاورها.
وهكذا، لم تكن الأسطورة مجرد مرحلة سابقة على الفلسفة، بل كانت تعبيرًا عن حاجة الإنسان الأولى إلى الفهم والتفسير وإنتاج المعنى؛ ومن داخل هذا الأفق الأسطوري، وفي سياق تحولات تاريخية وثقافية متشابكة، بدأ يتشكّل تدريجيًا نمط جديد من التفكير سيجعل من العقل والحجة والتساؤل أدواتٍ لفهم العالم، ممهدًا الطريق أمام ولادة الفلسفة في بلاد اليونان.
♦ التفكير الفلسفي: من التفسير الأسطوري إلى أفق العقل الفلسفي
يُحيل مفهوم اللوغوس (Logos) إلى نمط من التفكير العقلاني القائم على الاستدلال المنطقي، وبناء المفاهيم، وتوظيف آليات الحجاج والبرهنة من أجل فهم الواقع وتفسير الظواهر والكشف عن المبادئ التي تنتظمها. وقد تبلور هذا النمط من التفكير في بلاد اليونان القديمة، في سياق تحوّل فكري عميق انتقل فيه الإنسان، تدريجيًا، من التفسير الأسطوري للعالم إلى البحث عن تفسيرات تستند إلى العقل والحجة والدليل.
ولم يكن هذا التحول مجرد استبدال لتصور بآخر، بل مثّل لحظة تأسيسية في تاريخ الفكر الإنساني؛ إذ أصبح العقل أداةً للتساؤل والنقد والمساءلة، وغدا الفكر مطالبًا بتبرير أحكامه وإسناد مواقفه إلى حجج قابلة للفحص والمناقشة. ومن هذا المنعطف التاريخي، انفتح أمام الإنسان أفق جديد للمعرفة، تبلورت داخله إشكالات الوجود والحقيقة والمعرفة والأخلاق، وتوالت عبره التحولات التي أسهمت في تشكيل المسار التاريخي للفلسفة والفكر الإنساني إلى يومنا هذا.
♦ خلاصة عامة للمحور:
الفلسفة ظهرت في بلاد اليونان خلال القرن السادس قبل الميلاد، مع مجموعة ممن كانوا يسمون بالحكماء الطبيعيين وهم طاليس، أنكسيمان، وأنكسيمندر. بعدها سننتقل من فترة الحكمة إلى فترة الفلسفة التي أصبحت منظورًا جديدًا للتفكير، فظهورها لم يكن وليد الصدفة، إنما جاء نتيجة لتظافر مجموعة من العوامل المتعددة تمثلت في أسباب جغرافية، اقتصادية وتجارية وثقافية فكرية....، في مقابل تعدد عوامل الظهور ستتعدد الموضوعات التي عالجها التفكير الإنساني منذ بدايته الأولى من التفكير الأسطوري إلى مرورًا بالحكمة وانتهاءً بالفلسفة.
• فما هي أهم مراحل تطور الفلسفة؟
• وما هي الموضوعات التي عالجتها كل مرحلة على حدة؟
يتبع .......
