أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

🗒️ آخر المنشورات

المحور الأول: مشروعية الدولة وغاياتها (مفهوم الدولة)

     المحور الأول: مشروعية [1] الدولة وغاياتها[2]

        تقديم اشكالي للمحور:

     إن انتقال الانسان من حالة الطبيعة والتوحش والهمجية الى حالة المجتمع والتحضر وإنتاج الثقافة دفع الأفراد الى إيجاد  جهاز يدير هذا التعايش بينهم ويضمن استمراره. هذا الجهاز هو الدولة كجهاز أثار حوله عدة نقاشات فلسفية تمحورت حول تعدد غايات وجوده والتي أعطته مشروعية التواجد. وعلى هذا الأساس نتساءل:

 لم الدولة؟ ومن أين تستمد مشروعية وجودها؟ أتستمدها من حمايتها لمصالح الناس وخدمتهم في تحقيق الحرية أم من خدمة نفسها أم من الهيمنة على الأفراد وقمعهم؟ ثم كيف يكون وجود الدولة مشروعا؟ وما الغايات من وجودها؟


  1) موقف باروخ اسبينوزا (1632-1677)  

     يؤكد اسبينوزا أن الغاية من وجود الدولة لا تستمد مشروعيتها من سلطة دينية (نظرية التفويض الالهي)  ولا هي نتاج طبيعي لتطور الحياة البشرية، وإنما هي نتاج للتعاقد[3] أو اتفاق يتنازل بموجبه الأفراد بشكل إرادي عن جزء من حقهم الطبيعي قصد تحقيق الحرية كغاية للدولة. ولهذا يرفض اسبينوزا أن تكون الدولة وسيلة لإرهاب الناس وتخويفهم، وإنما ظهرت لكي تحررهم من الخوف الذي كان سائدا في حالة الطبيعة وجعلهم قادرين على العيش في سلام ووئام وفي جو يستخدم فيه الافراد عقولهم استخداما حرا بعيدا عن أشكال الحقد والغضب والخداع. وبهذا المعنى فإن المواطنون الأحرار في ظل دولة اسبينوزا يعيشون وفق مقتضيات العقل وليس الغريزة، الحق وليس القوة، الأمن وليس العنف ولا يتخلون عن حقهم في التفكير والحكم وإنما في أن يسلكوا وفق شهواتهم وما يمليه عليهم قرارهم الشخصي، وبالتالي فمن الواجب على كل فرد أن يحترم السلطة العليا للدولة لأنها الضامن الوحيد لأمنه واستقراره ما دامت غاية وجودها الحرية داخل مجتمع تعاقدي.

  2) موقف فريدريك هيجل (1770-1831)  

في مقابل التصور التعاقدي، يرفض الفيلسوف الألماني فريدريك هيجل أن تكون الدولة وسيلة لخدمة الأفراد في الحرية والسلم والأمن، وإنما هي غاية في ذاتها ووجدت لخدمة نفسها بوصفها تجسيدا فعليا للروح المطلق الذي اتخذ من الأسرة المجال الاول لتطوره عبر مسار جدلي أدى فيما بعد الظهور المجتمع المدني  ثم الدولة كآخر التنظيمات الاجتماعية والسياسية التي لا تسعى الى تحقيق مصالح الأفراد الذاتية بقدر ماهي  تعبير عن إرادة عقلية كلية أخلاقية وتحقيق فعلي لها تتجاوز كل ما هو جزئي فردي الى ما هو كلي عقلي شمولي يتجسد في تحقيق إرادة ووعي أمة معينة، مما يعني أن الدولة ليست وسيلة وإنما غاية في ذاتها كتجسيد فعلي للفكرة الأخلاقية (الروح المطلق).

  3) موقف كارل ماركس (1818-1883)  

في مقابل التصورين السابقين، يرى الفيلسوف الألماني كارل ماركس أن الدولة لا تستمد مشروعيتها من التعاقد ولا من ذاتها، وإنما من الصراع الطبقي القائم بين طبقة بورجوازية مالكة لوسائل الانتاج وطبقة عاملة تشغل وسائل الانتاج. فالدولة ظهرت نتيجة انقسام المجتمع الى طبقات اجتماعية، إنها عبارة عن وسيلة تتخذها البورجوازية من أجل الحفاظ على مصالحها وحماية امتيازاتها ضمن تواجدها كطبقة مهيمنة على أفراد المجتمع. فالدولة هي دولة الطبقة الاقوى اقتصاديا (البورجوازية) وبفضلها تسود وتسيطر سياسيا وايديولوجيا (فكريا) أيضا، وغايتها إضفاء الشرعية القانونية على المجتمع الطبقي لتسيير وتنظيم مصالح البورجوازية كطبقة مسيطرة ومهيمنة، وبالتالي فلا مشروعية وجود هذا الجهاز القمعي بين أبناء المجتمع حسب الماركسية لذا وجب إزالته وهدمه عبر الثورة وتعويضه بدولة اشتراكية خالية من الطبقية.

خلاصة تركيبية للمحور:

      نستنتج من خلال ما سبق، أن الدولة قد تستمد مبرر وجودها من تعاقد اجتماعي يستجيب لإرادات الأفراد في الحرية والمساواة والأمن والسلم في اطار تصور غايته أن ينزع عن الدولة قداستها الدينية ليضفي عليها طابعا دنيويا وضعيا. هذا اضافة الى تصور مثالي تبدوا فيه الدولة متعالية عن الفرد والمجتمع وتستمد مشروعيتها من ذاتها بوصفها تحقيقا لإرادة كونية (الروح مطلق). ومن جهة ثالثة نجد تصورا فوضويا يرى في الدولة وسيلة للهيمنة تسعى الى اضفاء الشرعية على المجتمع الطبقي وتسيير مصالح الطبقة البورجوازية كطبقة مسيطرة، مما يعني أن لكل دولة غاية ومشروعية، لكن ما طبيعة سلطتها؟ وكيف تمارس الدولة سلطتها السياسية؟



[1]  المشروعية: هي مختلف المبررات والاعتقادات التي تجعل مجموعة بشرية معينة تصادق وتقبل السلطة الممارسة عليهم من طرف الدولة وقد تكون اما قانونية أو وراثية أو عرفية أو دينية.

[2]  الغاية : هي ما ينتهي اليه الفعل بفعل فاعل، ويتجسد ذلك في انتقال الانسان من حالة الطبيعة الى الحالة المدنية.

[3]  التعاقد الاجتماعي : هي نظرية فلسفية ترى أن نشوء الدولة يعود الى انتقال الانسان من حالة الطبيعة الى الحالة المدنية عن طريق اتفاق الأفراد فيما بينهم بتخليهم عن جزء (اسبينوزا + لوك) أو كل (هوبز + روسو) الحقوق الطبيعية لمؤسسات منتخبة قصد تحقيق غايات الدولة.

تعليقات