أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

🗒️ آخر المنشورات

علم الاجتماع أو السوسيولوجيا (الموضوع، المنهج، النظريات)

 علم الاجتماع (السوسيولوجيا)

تقديم عام:

 إذا كان علم الاجتماع (السوسيولوجيا) يندرج ضمن منظومة العلوم الإنسانية باعتباره علما يتناول بالبحث احدى الظواهر الإنسانية المتمثلة في الظاهرة الاجتماعية، وان ظهوره كمبحث علمي لم يظهر الا مع القرن التاسع عشر بفضل المفكر الفرنسي أوجيست كونت الذي ميزه عن الفلسفة الاجتماعية والسياسية، ودعي الى دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة وضعية، فان علمية علم الاجتماع تطرح قضايا متعددة تندرج حول خصوصية الظاهرة الاجتماعية، وطبيعة المنهج في دراستها، بالإضافة الى اهم النظريات السوسيولوجية التي يمكن أن تقدمه كعلم قائم بذاته. ولهذا يمكن أن نتساءل على النحو التالي:

 ما طبيعة الموضوع الذي يمكن أن يشكل مادة الدراسة في علم الاجتماع؟

 ما هو المنهج الملائم لدراسة الظاهرة الاجتماعية؟

 ماهي أهم الدراسات السوسيولوجية؟

المحور الأول: موضوع علم الاجتماع

 من أهم الشروط التي يتطلبها بناء الخطاب العلمي تحديد الموضوع بصورة دقيقة تسمح بتمييزه عن بقية المجالات التي تهتم بها علوم أخرى. اذن، فما طبيعة الموضوع الذي يشكل مادة الدراسة في علم الاجتماع؟

  موقف اميل دوركهايم (1858-1917)  

   ان كل ما يقتضيه كل خطاب علمي تحديد الموضوع المدروس بتمييزه عن غيره، وبالنسبة لعلم الاجتماع فان موضوعه يتمثل عموما في الظواهر الاجتماعية، فهذه الاخيرة هي في الواقع كل الظواهر التي تحدث في المجتمع والتي تشكل موضوعا للدراسة. من هنا نجد دوركهايم يرى أن الوقائع الاجتماعية تتميز بعدد من الخصائص الأساسية: الطابع الخارجي (توجد خارج وعي الافراد)، الطابع الجماعي (تتجاوز السلوك الفردي)، الطابع الاكراهي (تحدث وتفرض نفسها كإكراه وكالزام على الافراد). فالواقعة الاجتماعية هي أولا كل ظاهرة متغيرة أم ثابتة وقادرة على ممارسة كراه خارجي على الفرد، وثانيا هي شيء عام في المجتمع ومستقل عن المظاهر الفردية. 

  موقف بيير بورديو (1930-2002)  

     في أعقاب تصور دوركهايم، يذهب الفرنسي بيير بورديو الى أن علم الاجتماع يعمل على اظهار البنيات الخفية المتعلقة بمختلف الحقول الاجتماعية التي تكون الظواهر الاجتماعية، وكذا توضيح الاليات التي تؤدي الى ضمان إعادة انتاج أو تحويل تلك البنيات لتصبح الوقائع الاجتماعية مواضيع للمعرفة لأنها تعطي للأفراد دلالة على المجتمع الذي يصنعها. من هنا يصير علم الاجتماع بمثابة "فيزياء اجتماعية" تعمل على تفسير موضوعي للبنيات المادية وظاهرات اجتماعية تبني فهما تأويليا للبنيات الذهنية المحددة للوعي.

المحور الثاني: المنهج في علم الاجتماع

ان البحث عن المنهج الملائم لدراسة الظواهر الاجتماعية يرتبط بالإطار النظري الذي يتبناه الباحث في هذا المجال، حيث أن التمسك بمنهج معين يكشف عن طبيعة التصور المعتمد حول الظاهرة الاجتماعية ومميزاتها، اذن فما هو المنهج الملائم لدراسة الظاهرة الاجتماعية؟

  موقف ماكس فيبر (1864-1920)  

    يقوم موقف الألماني فيبر على اعتبار أن العلوم الإنسانية تتناول الانسان ككائن يتميز بوعي يسمح له بفهم العالم واضفاء المعنى على السلوكات التي يقوم بها، ومن ثم تختلف هذه العلوم عن العلوم الطبيعية، ولهذا يترتب على منهج علم الاجتماع أن يقوم على التفهم الذي يقتضي البحث عن المعنى الذي ينطوي علية السلوك الإنساني. فالطريقة الملائمة هي التي تستهدف فهم وتأويل المقاصد الذاتية للفاعلين أو المعاني التي يضفيها هؤلاء على سلوكاتهم، فالمقاربة التفهمية تقوم على دراسة الدلالة المتضمنة في العلاقة الاجتماعية لأن الأمر يتعلق بظاهرة إنسانية وليس بظاهرة طبيعية تحدث بشكل ميكانيكي يخلو من المعنى.

  موقف إيان كرويب (1945-2003)  

     في مقابل التصور السابق، يرى إياب كريب أن الظواهر الاجتماعية قابلة للتفسير الالي الذي يربط النتائج بالأسباب التي تقف وراء حدوثها، غير أن فكرة السببية في المجال الاجتماعي تأخذ طابعا بنيويا يقتضي ابراز مجموع العلاقات التي تتمخض وراء حدوث الظاهرة الاجتماعية، وذلك لان الوقائع تتأطر ضمن الية سببية ذات طابع كلي.

المحور الثالث: النظريات السوسيولوجية

 اذا كان القاسم المشترك بين علماء الاجتماع هو الرغبة في دراسة المجتمع بطريقة علمية، فانهم نهجوا بذلك سبلا مختلفة لمقاربة ظواهره، وقد تواصلت اختلافاتهم في طرق المقاربة عبر تاريخ علم الاجتماع، فحتى وان اتفقوا حول موضوع التحليل الا أنهم اختلفوا حول زواياه النظرية، وهذا ما أفرز اتجاهات علمية مختلفة، اذن فماهي أهم النظريات السوسيولوجية؟

  نظرية الفعل الاجتماعي : ماكس فيبر (1864-1920)  

    يعد ماكس فيبر من أحد الداعيين الى تبني منظور الفعل الذاتي، فرغم أهمية البنيات الاجتماعية مثل الطبقات والأحزاب السياسية، فان الفعل الاجتماعي والتفاعل بين أعضاء المجتمع هو السبيل الى خلق هذه البنيات. لذا ركز فيبر على ضرورة فهم الظاهرة الاجتماعية من خلال استخلاص دلالات ومقاصد الفاعلين وأسلوب تصرفهم وتفاعلهم فيما بينهم من جهة وما بينهم وبين المجتمع من جهة أخرى، ومثال ذلك دور نزوع الاخلاق الكالفينية الى منح قيمة للعمل وحسن التدبير والادخار أفضى الى ظهور الرأسمالية.

  المدرسة الصراعية : كارل ماركس (1818-1883)  

     تؤكد هذه المدرسة على أهمية البنيات الاجتماعية في توجيه المجتمع والسلوك البشري وعلى جدلية الحياة الاجتماعية وتفاعل مختلف ظواهرها فيما بينها. فالتصور الماركسي للواقع الاجتماعي كحركة دينامية اتية من أنواع التناقض الموجود بين الطبقات وبين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وبين الأجر والرأسمال ... كله عبارة عن نتاج تاريخي انتقالي، ومن ثم فعلم الاجتماع يدرس الواقع الاجتماعي من أجل تحديد القوانين المتحكمة في نشاطاته المختلفة وحركته وتطوره، ومثال ذلك الصراع الطبقي أفضى الى ظهور الثورة ضد الطبقة البورجوازية ثم تأسيس المجتمع الاشتراكي.

خلاصة عامة:

    يطرح علم الاجتماع كما رأينا، طائفة متنوعة من الآراء النظرية سواء المتعلقة بالموضوع أو المنهج، فبالرغم من اتفاق علماء السوسيولوجيا كافة على أن منهج البحث يفترض في الباحث أن يضع جانبا أحكامه المسبقة حول موضوع البحث جانبا، إلا أن الاختلافات بين المواقف النظرية تبدوا جذرية أحيانا، الا أن هذا التنوع في الآراء والتوجهات ليس بعائق ابستمولوجي، بل يعتبر دليلا على الحيوية ومؤشرا على مواطن القوة وليس مؤشر الضعف في علة الاجتماع.

تعليقات