أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

🗒️ آخر المنشورات

المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية (مفهوم الدولة)


المحور الثاني : طبيعة السلطة السياسية

تقديم اشكالي للمحور:

يفيد مفهوم الطبيعة علة باطنية محركة للشيء، كما يشير كذلك الى خاصية جوهرية تميز الشيء عن غيره. ولهذا فالتساؤل حول طبيعة السلطة السياسية يفترض التساؤل عن خصائصها والياتها وما يميز ممارستها داخل المجتمع. فتباين المواقف الفلسفية حول مشروعية الدولة وغاياتها تتمخض عنه اشكالات عدة حول طبيعة السلطة السياسية. والقولة الماثلة أمامنا لا تخرج عن هذا النطاق بحيث تتأطر ضمن الإشكال العام لمجزوءة السياسة في سياق ابراز مفهوم الدولة مثيرا بذلك إشكالية طبيعة سلطتها. من هنا يمكن أن نتساءل: 

ما طبيعة السلطة السياسية للدولة؟ هل هي فعلية مادية أم رمزية إيديولوجية؟ وهل السلطة قدرة مشتتة ومنتشرة داخل الجسم الاجتماعي للدولة أم أنها يمكن حصرها في أجهزة تحتكرها الدولة؟ وهل هي منتشرة ومحايثة[2] عن المجال الذي تمارس فيه أم أنها كليانية[3] ومتعالية عنه؟

  1) موقف تشارليز دي سكوندات مونتسكيو (1689 - 1755)  

في كتابه "روح القوانين"، يؤكد الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو أن طبيعة السلطة السياسية محايثة ومنتشرة بين أجهزة حكم الدولة من خلال مبدأ الفصل بين السلط، حيث يرى فيها حلا لمسألة الحرية وتجاوزا لكل استبداد أو طغيان عملا بمبدأ السلطة تحدد السلطة. بيد أن الحرية السياسية لا تتحقق الا بالفصل بين السلط الثلاث: (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وأن تداخلها في يد أو هيئة واحدة معناه انحراف الدولة نحو الاستبداد والظلم والطغيان وبالتالي إهدار حقوق المواطنين وسلب حرياتهم.


  2) موقف مشيل فوكو (1926 - 1984)  

     يقدم الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشيل فوكو تصورا أصيلا للسلطة، بحيث أن هذه الأخيرة ليست متعالية عن المجال الذي تمارس فيه، بل هي محايثة ومنتشرة داخل الجسم الاجتماعي للدولة. فالسلطة عبارة عن علاقات شبكية لا تتمركز في نقطة واحدة بل تتواجد وتتزامن وتتوزع بين قوى وأمكنة لا حصر لها، فهي حاضرة في كل مكان وقادمة من كل صوب واتجاه وتمارس من قبل الأفراد جميعهم بوعي أو بغير وعي يمارسها رجل الدين والسياسة والطبيب والمعلم .... بحيث أن الدولة عاجزة عن القيام بوظائفها بذاتها، بل هي في حاجة ماسة لخدمات الأسرة والمدرسة والاعلام ومختلف أشكال الانتاج الأخرى. 

 

  3) موقف لويألتوسير (1918 - 1990)  

        وفي مقابل التصورين السابقين، يرى المفكر الفرنسي ومجدد الفكر الماركسي ألتوسير أن طبيعة السلطة السياسية قائمة على القوة والقمع كسلطة كليانية ومتعالية عن المجال الممارس، تمثلها الدولة عبر جهازين: جهاز قمعي عنيف يوجد في يد الدولة عبر مؤسساتها كالحكومة والجيش والسجن والشرطة ... وهي ذات طبيعة قمعية تشتغل بالعنف بكافة أشكاله. ويعتبر هذا الجهاز الركيزة الاساسية في استقرار الدولة واستمراريتها وذلك بإكراه الأفراد على ضرورة الخضوع لقوانينها، وتشريعاتها، غير أن ذلك لا يمكن أن يقدم ضمانة كافية للدولة ما لم تتمكن من الحكم في وعي الأفراد ودمجهم في المجتمع، لذا كانت الدولة في حاجة الى أجهزة إيديولوجية على شكل مؤسسات متخصصة ومتميزة لا تشرف عليها الدولة بشكل مباشر ولكنها توجد لخدمتها والدفاع عن مصالحها إذ أنها مشتتة ظاهريا في ثنايا المجتمع وتشمل كل أشكال الوعي كالأسرة والمدرسة والإعلام والثقافة والكنيسة والحزب السياسي ....

خلاصة تركيبية للمحور:

     هكذا يتبين من خلال ما سبق، أن اشكالية سلطة الدولة يمكن أن تتخذ أشكالا متعددة، فمن جهة يمكن أن تكون حقوقية جماعية كما هو الحال مع مونتسكيو وفوكو، كما يمكن أن تكون من جهة ثانية استبدادية فردية كما هو مع ألتوسير. وهذا النمط الأخير عادة ما تكون فيه الدولة في خدمة الحاكم بغض النظر عن حقوق المحكومين، مما يجعلها سلطة مهددة باستمرار. لهذا فمن العدل أن يراعى في السلطة خدمة الطرفين وهو ما انتهى إليه عبد الرحمان بن خلدون حينما أقام علاقة السلطان بالرعية على الوسطية والاعتدال. لكن إلى أي مدى يمكن للدولة أن تتجرد بالفعل من العنف ألا أنها قد تتخذه أحيانا وسيلة مشروعة من أجل بسط سلطتها وهيمنتها؟



[1]  السلطة: هي القدرة على التأثير في الافراد من اجل اخضاعهم وإدماجهم داخل المجتمع أما عن طريق الاقناع أو الاكراه.

[2]المحايثة: مفهوم فلسفي ضد المتعالي، ويقصد به أن السلطة ليست متعالية  عن المجال الذي تمارس فيه وانما هي ملازمة ومنتشرة داخل الجسم الاجتماعي للدولة.[2]

[3] الكليانية: مفهوم فلسفي يفيد أن السلطة متعالية عن ارادات الأفراد وتحتكرها الدولة عبر أجهزتها القمعية.

تعليقات