المحور الثالث : الدولة بين الحق والعنف
تقديم اشكالي للمحور:
يمثل العنف العدو المعلن لكل دولة، فما من دولة الا ورفعت شعار الديمقراطية وإحلال الامن والحرية والعدالة ومحاصرة كل نتائج العنف من تدمير وفوضى ورعب وظلم .... أمام هذه الصورة المثالية للدولة يمكن أن نتساءل: ما موقع الدولة بين الحق والعنف؟ هل الدولة تمارس سلطتها بواسطة الحق والقانون أم أنها يمكن أن تلجأ الى القوة والعنف؟ وبتعبير اخر، هل بإمكان الدولة المعاصرة اليوم التجرد نهائيا من العنف أم أنها قد تتخذه صفة مشروعة أحيانا لبناء الدولة؟
1) موقف نيكولا ماكيافيلي (1469 - 1527)
في كتابه "الامير"
يقدم الإيطالي مكيافيلي صورة استبدادية عن كيفية ممارسة الحكم اذ عبر عن
نزعة برغماتية سلطوية أساسها القوة والعنف والمكر والخداع مما جعله يؤكد أن القوانين لا يمكن الاعتماد عليها من أجل بسط السيادة
واستقرار الدولة وذلك لطبيعة الإنسان الشريرة ونزوعه الدائم نحو الفوضى والعدوانية.
لذا على الامير اللجوء الى القوة والمكر والخداع من أجل المحافظة على السلطة لأن
التاريخ البشري أثبت بالملموس أن الأمراء لم يصبحوا عظماء الا بعد تخليهم عن
عهودهم ومواثيقهم وتأثيرهم في عقول الناس بالمكر والخداع فاستطاعوا بذلك التغلب
على من كانت الامانة والصدق شعارا لهم. من هنا كانت دعوة مكيافياي للأمير أن سكون أسدا وثعلبا في الان نفسه: أسدا لإخافة الذئاب والمتآمرين
عليه، وثعلبا لكي يتقن فن المراوغة والخداع وإعطاء الوعود الكاذبة عملا بمبدأ "الغاية تبرر
الوسيلة". وهو الموقف الذي أكده في الزمن المعاصر الألماني ماكس فيبر
الذي رأى في العنف المادي الخاصية المميزة للدولة وأساس قيامها كدولة تمارس عنفا مشروعا تسعى من خلاله الى إدارة التجمع السياسي والحفاظ على أمنه واستقراره.
2) موقف جاكلين روس (1949 - ....)
في مقابل التصور السابق، نجد الباحثة الفرنسية جاكلين
روس تؤسس السلطة على فكرة الحق والقانون ويتجسد ذلك فيما يسمى بدولة الحق
والقانون كأرقى ما توصل اليه الفكر القانوني والسياسي من حماية لحقوق الافراد
وتحصين لحريتهم وكرامتهم ضد كل ضروب الشطط والتعسف التي يمكن أن تصدر عن قوى
الالزام والقمع خصوصا وأنها كيان يقوم على ثلاث مرتكزات: الحق والقانون ومبدأ الفصل بين السلط. مما يعني أن
دولة الحق والقانون لم تعد فكرة طوباوية بل هي ممارسة معقلنة للسلطة يتجسد
فيها الحق عمليا ويصير واقعيا عن طريق الاحترام الفعلي للشخص الإنساني من
حيث كونه حرية ووعي وكرامة، وبالتالي فالنظام السياسي حينما يلجأ الى القمع
والترهيب والعنف يفقد شرعيته مادام أنه يتنافى مع المبادئ الإنسانية.
خلاصة محورية :
إن ما يلاحظ انطلاقا مما سبق ذكره، أن دولة الحق والقانون لا يمكن أن تتأسس على العنف كما هو حال الأنظمة الكليانية الاستبدادية، وإنما على قيم الديمقراطية. حيث أن النظام السياسي للدولة حينما يلجأ الى العنف يفقد شرعيته أمام المواطنين خصوصا وأن أساس الحكم هو العدل ولا عدل أمام ضياع كرامة الناس وتخويفهم وممارسة الإرهاب عليهم باسم القانون، إذن فما هو العنف؟ وما أشكاله؟ وكيف ظهر في التاريخ؟
