أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

🗒️ آخر المنشورات

المحور الثاني : العنف في التاريخ - مجزوءة السياسة

 المحور الثاني: العنف في التاريخ

تقديم اشكالي للمحور: 

يكشف لنا تاريخ المجتمعات البشرية أن العنف طبع مسار الانسان منذ ظهوره على الارض، فهو الخاصية المميزة لوجوده لدرجة لا يمكننا أن نتصور مجتمعا خاليا من العنف، فهذا الاخير عنصر لازم وملازم للإنسان منذ بداية وجوده في الوجود. والقولة الماثلة أمامنا لا تخرج عن هذا النطاق بحيث تتأطر ضمن الإشكال العام لمجزوءة السياسة في سياق ابراز مفهوم العنف مثيرا بذلك إشكالية العنف في التاريخ. من هنا يمكن أن نتساءل: كيف يتولد العنف في التاريخ؟ هل العنف متجدر في التاريخ البشري أم أنه وليد لحظة معينة؟ وبتعبير اخر، ما هي أسباب العنف في التاريخ؟ وما هي تجلياته؟ هل هو محرك للتاريخ أم أنه شر ملازم للطبيعة العدوانية  للإنسان؟ وما هي إمكانيات تجاوزه؟

1) موقف كارل ماركس (1818-1883)

يرى الفيلسوف الألماني الحديث كارل ماركس أن العنف هو المحرك الاساسي لمجرى التاريخ، فالمجتمعات البشرية منذ القدم وهي تعيش على صراع طبقي مادي اقتصادي ناتج عن تعارض في المصالح المادية بين المجتمعات الانسانية نتيجة لظهور الملكية الفردية لوسائل الانتاج. لذا فالعنف لا يمثل أحد المكونات الفطرية للإنسان، بل هو نتاج للواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يفضي الى صراع طبقي لا يمكن أن يختفي الا بولادة الاشتراكية. وهذا ما حدا بإنجليز الة تشبيه العنف بالمرأة القابلة بحيث يستطيع توليد مجتمع حتى وان كان هرما. من هنا يدعو الماركسيون الى العنف الثوري كوسيلة مشروعة تستهدف تقويض النظام القائم وبث الفوضى في أوصاله للتعجيل بزواله حتى يتحقق بذلك المجتمع الاشتراكي الخالي من العنف والطبقية والقائم على ديكتاتورية البروليتاريا. لكن الى أي حد يبقى الموقف المعبر عنه في التحليل كاف للإجابة عن الاشكالية المطروحة؟ هل فعلا ينحصر العنف في فيما هو مادي اقتصادي فقط أم أنه يشمل جوانب أخرى ذات طبيعة فطرية عدوانية وسيكولوجية رغباتية؟

 

 2) موقف توماس هوبز (1588-1679)

في مقابل التصور الماركسي الذي يرجع العنف الى ما هو مادي اقتصادي، يرى الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز صاحب كتاب التنين أو اللوفيثان أم الانسان شرير بطبعه ولا يخضع للسلم الا مكرها، فالعنف الذي كان سائدا في حالة الطبيعة يعود الى ثلاث أسباب رئيسية تميز الطبيعة الانسانية: التنافس والحذر والكبرياء وهي أسباب ساهمت في اتخاذ الجميع الحرب والاقتتال كوسيلتين من أجل حفظ البقاء وتأمين الحياة خصوصا وأن الناس في هذه الحالة ولدوا وهم متساوون من حيث الحق الطبيعي مما جعل العلاقة تصبح "حرب الكل ضد الكل" لا مجال فيها للحديث عن أي سلم أو سلام لذا كان لزاما على الانسان الاختيار عن تعقل وحساب مصلحي بأن يتخلى عن كل حقوقه الطبيعية في ممارسة العنف وتفويضه الملك ممارسته باسم قانون الدولة في اطار مشروعية التعاقد الاجتماعي قصد تحقيق غايات الدولة وهي الامن والسلم. لكن ألا يمكن أن يكون  للعنف هذا بعد اخر نفسيا رغباتيا؟

3) موقف روني جيرار (1923-....)

وفي مقابل التصورين السابقين، يذهب المفكر الفرنسي المعاصر روني جيرار (1923-....) الى أن العنف في التاريخ ليس وليد صراعات مادية وانما أساسه تنافس الرغبات وندرة الحاجات، ذلك أن الرغبات الانسانية رغبات تخضع لقانون المحاكاة، أي أنها رغبات محاكاتية تتجه نحو موضوعات يرغب فيها الاخرون مما يساهم في خلق أعمال عنف لا تنتهي ليصبح عنفا معديا ينتشر بين الافراد والجماعات وحتى الاجيال، وهذا ما يسميه فيلسوفنا بأزمة المحاكاة التي تجعل منه عنفا مفتوحا ينتقل بالوراثة عبر ما يسمى بالانتقام المؤجل. ولهذا فبالرغم من وضع الانسان لمجموعة من الاليات قصد تجاوز العنف عبر تقديم الفدية أو الأضحية الا أن شرارته لازالت مستشرية ومشتعلة بين أبناء الانسانية وهذا ما تفسره دوافع الانتقام والثأر وقهر الخصوم والسيطرة عليهم.

 

خلاصة عامة للمحور:

يتبين من خلال ما سبق، أن العنف قد ارتبط بالتاريخ الانساني سواء بالبعد المتعلق بما هو اقتصادي مادي (ماركس)، أو بما هو مرتبط بالطبيعة الانسانية الفطرية الميالة الى الشر (هوبز) أو النفسية القائمة على تنافس الرغبات (جيرار). وهي كلها أبعاد تأخذ شكل صراعات ونزاعات وحروب يتم تبريرها بالغايات الناتجة عنها والتي تأخذ طابع المشروعية. لكن هل فعلا للعنف مشروعية؟

تعليقات