المحور الأول: أشكال العنف
تقديم إشكالي للمحور:
إذا كان العنف ظاهرة انسانية أملتها ضرورة الاجتماع البشري، فان أساليبه أصبحت متعددة ومتطورة، اذ لم يعد يقتصر على الاساليب التقليدية المتمثلة في القوة والصراع، وإنما برزت أشكال جديدة للعنف أملتها سياقات التقدم التقني الانساني. وعلى هذا الأساس نتساءل:
فما هي أنكاط وأشكال العنف؟ وماهي مظاهرة وتجلياته؟ هل ينحصر العنف في ما هو مادي فيزيائي كالحرب مثلا أم يتجاوز ذلك الى ما هو رمزي خفي لطيف؟ لكن كيف يمكن للعنف أن يكون لطيفا دون أن يفقد صفته كعنف وكفعل تدمير وتخريب؟
يذهب المؤرخ الحربي البروسي كلوزوفيتش الى ان مظاهر العنف المادي متعددة وتتجسد في أكثر أشكال السلوك الانساني تدميرا وهي الحرب التي يرى بأنها ضرورية من اجل تحقيق الامن والاستقرار والغلبة على الخصوم وتخويفهم. وهكذا عرف كلوزوفيتش الحرب بأنها ليست علاقة عدائية بين شخصين، وانما هي علاقة عدائية بين دولتين وبالتالي فهي "فعل عنيف موجه نحو إكراه العدو على الامتثال لإرادتنا". وعليه يكون العنف المتمثل في الحرب ليس الا استمرارية للسياسة بطرق مختلفة انها نزاع عنيف وواسع وضروري تنشب بين الجماعات وداخل الدول وخارجها، وتمثٌل ثابت في الحياة الانسانية فهي ليست ظاهرة مستقلة بحالها، وإنما هي دائما وسيلة لخدمة أهداف معينة سياسية أو اقتصادية أو دينية ... وهكذا أصبح العنف يُنظر اليه باعتباره فعلا أخلاقيا حاصة العنف الذي يكون موجها من طرف دولة تجاه دولة اخرى، وهكذا بدأنا نسمع مع كلوزوفيتش مفهوم الحرب العادلة.
في مقابل هذا الشكل من العنف، يستحضر السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو في كتابيه الهيمنة الذكورية وإعادة الانتاج الحديث عن العنف الرمزي بما هو عنف غير محسوس يحقق نتائج أفضل مما يحققها العنف المادي ويعود ذلك لكومه يمارس عبر قنوات يستخدمها الفاعلون الاجتماعيون باستمرار، انه على حد تعبير مفكرنا عبارة عن "عنف لطيف وعذب وغير محسوس بالنسبة لضحاياه أنفسهم" فهو يمارس عبر اللغة والتعليم والتربية والثقافة فيلحق الضرر بالغير بطريقة صامتة وسرية لا تثير انزعاجا ليصبح الفاعل الاجتماعي متواطئا في ممارسته على نفسه ولا يعتبره في الاصل عنفا، بل يساهم في إنتاجه وترويجه وكأنه مسلمات وحتميات وجودية يقبلونه بكل تلقائية وتسليم، وهذا النوع من التلقي يسميه بورديو "بقوة أقناع صامتة وسرية".
خلاصة عامة للمحور:
نستنتج من خلال ما سبق، أن تعدد أشكال العنف بين ما هو مادي أو رمزي وما يرتبط به من مبررات في ممارسته لا يغير من طبيعته كأسلوب حيواني لاأخلاقي في حل النزاعات البشرية، لكونه تدمير للذات الجماعية وتخريب للكينونة الفردية وسلب لإرادتها، لأن الشكل الوحيد لحل نزاع بشري هو تبني لغة العقل القائمة على مبدأ اللاّعنف، لكن كيف يتولد العنف في التاريخ البشري؟ وما تجلياته؟ وما إمكانيات تجاوزه؟
.png)