أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

🗒️ آخر المنشورات

المحور الثالث: العنف والمشروعية - مجزوءة السياسة

 


المحور الثالث : العنف والمشروعية

تقديم إشكالي للمحور:

      إذا كان التاريخ البشري يثبت بالملموس وجود أشكال متعددة من الممارسات التدميرية وأنماط مختلفة من السلوكات العنيفة في بعديها المادية والرمزية الصادرة عن الافراد والجماعات والمؤسسات السياسية، فإن فعل العنف هذا دائما ما يسعى الى البحث عما يبرره ويضفي عليه المشروعية اذن: فهل للعنف مشروعية؟ وكيف يمكن الحديث عن عنف مشروع أصلا؟ وما هي مبرراته؟ وهل يمكن حل نزاع بشري بالعنف أم بمبدأ اللاًعنف؟ وبتعبير اخر، ما قيمة كل من الدولة والفلسفة في ظل وجود أشكال متعددة من العنف؟

 

  1) موقف ماكس فيبر (1864-1930) 

من خلال نظريته في العنف المشروع، يؤكد الالماني ماكس فيبر على أن جوهر السلطة في الدولة الحديثة يكمن في احتكارها وممارستها للعنف المادي المشروع قصد حماية مصالح الصالح العام. من هنا يقتبس فيبر قولة تروتسكي "للدولة وحدها الحق في ممارسة العنف". اذ أن التجمعات السياسية بمختلف أنواعها عبر التاريخ تلجأ الى العنف كوسيلة عادية ومشروعة في ممارسة السلطة، فالعلاقة بين الدولة والعنف علاقة حميمية أشبه بعلاقة الأم برضيعها، مما يجعل من الدولة نظاما يسعى الى عقلنة العنف واحتكاره كجهة رسمية وحيدة في ممارسته وتقنينه بقوانين اجرائية قبل وأثناء وبعد استعماله من أجل تدبير عقلاني للسلطة. إذ أن مختلف المظاهرات والانتفاضات الشعبية وكل أشكال الاحتجاجات قد ترى فيها الدولة ممارسة غير قانونية تهدد أمنها واستقرارها لهذا فمن حقها اللجوء الى العنف لمحاصرتها والقضاء عليها قصد ضمان مصالح الصالح العام.


  2) موقف المهاتما غاندي (1869-1948)  

على خلافا فيبر، يقدم الزعيم الهندي غاندي نقدا شديدا وصريحا للعنف، ويعتبره رذيلة أخلاقية وسلوك حيواني ومصدر للألم وتأنيب الضمير كما يحس بذلك المجتمع الغربي اليوم الذي اتخذه كقيم لثقافته الاستعمارية التي نشرت الحقد والتحطيم والتخريب ... ويدعوا في المقابل الى استبداله بمبدأ اللاعنف كقوة روحية مناهضة للشر ونبذ للعنف بكل أشكاله، فاللاًعنف هو "الارادة الطيبة اتجاه كل من يحيى، فهو الحب الكامل والمكتمل"، إنه كفاح ضد القيم اللاًأخلاقية بذهنية أخلاقية روحية سلمية لا تواجه المستعمر بوسائله التخريبية وإنما بمقاومة روحية سلمية سماها بالعصيان المدني الذي واجه به المستعمر الانجليزي وهو ما عبر عنه بقولته المشهورة "أنا أدعو الى شجاعة هادئة شجاعة القتل دون الموت".

  خلاصة عامة للمحور:  

      يتبين من خلال ما سبق، أن للعنف مشروعية عند فيبر خصوصا حينما يكون هاجس الدولة حماية مصالح الصالح العام، لكن من المؤكد أنها لن تستمر على الدوام لأن العنف لا يولد الا الخراب والدمار. مما يعني ضرورة احتكام العلاقات الانسانية لمبدأ اللاًعنف (غاندي) أو بالأحرى لخطاب العقل. وهذا ما انتهى اليه إريك فايل عندما رأى في العنف مشكلة فلسفية ينبغي لهذه الاخيرة أن تجد له أنساقا صلبة قصد وضع حد لاستمراره وأن يحل محله خطاب الفلسفة والعقل لأن الفلسفة إذا ما دخلت دماغا خرج العنف من جسده، إذن فإلى أي حد يمكن للفلسفة أن تحقق ذلك؟


تعليقات