أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

🗒️ آخر المنشورات

المحور الثاني : التقنية والطبيعة - مجزوءة الفاعلية والابداع (أولى بكالوري)

المحور الثاني : التقنية والطبيعة

تقديم اشكالي للمحور:

   إذا كان الإنسان كائنا واعيا وراغبا واجتماعيا بطبعه، فهو أيضا كائن فاعل وصانع و مبدع، وتتجلى فاعليته الإبداعية على مستوى الطبيعة من خلال سعيه الدائم إلى السيطرة ورسم ذاتيته عليها، والعمل على تغييرها والاستفادة من طاقاتها من خلال ما يخترعه من آلات وتقنيات وما يكتشفه من قوانين تحكم الطبيعة. ومن هذا المنطلق نتساءل: 

فما علاقة التقنية بالطبيعة ؟ وهل مكن التدخل التقني في الطبيعة الانسان من فرض هيمنته وسيطرته عليها أم أن تدخله هذا لم تنتج عنه الا نتائجا مدمرة لوجوده الانساني؟ وما أساس هذا التدخل؟ وكيف يجعلنا العلم سادة ومالكين للطبيعة ؟   

   موقف روني ديكارت (1596-1650)   

   يكشف التصور الديكارتي عن نظرة ايجابية لأثار التقنية على حياة الانسان، فالعلم كأساس للتقنية ليس مجرد معرفة نظرية كما كانت تنظر اليه المدرسة السكولائية والأرسطية والتي لم تمكنهم من الحصول على المبادئ العامة في علم الطبيعة، بل هو عبارة عن امتدادات تقنية وغايات عملية تهدف الى تحقيق سعادة الانسان وتحويله الى أن يصبح سيدا على الطبيعة ومالكا لها. وهذا لا يتحقق حسب ديكارت الا عبر الفلسفة العملية كمعرفة دقيقة بما يحيط بالإنسان من أجسام (الهواء، الماء، الكواكب ... ) وتوجيهها لما يصلح له في الحياة والوصول الى المبتغى في معرفة قوانين الطبيعة وتسخيرها لصالح الانسان لتحقيق سعادته وذلك بحفظ  صحته باعتبارها الخير الأسمى.

   موقف ميشيل سير (1930-2019)   

   في مقابل التصور السابق، نجد الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير يرفض تلخيص العلاقة بين الانسان وموضوعات العالم الخارجي في الملكية. ليؤكد في المقابل بأنها علاقة تدمير وهدم فبقدر تقدم الانسان في التحكم في الطبيعة بقدر ما أصبحنا أمام كائن ضعيف مهدد في وجوده عن طريق ما يسميه فيلسوفنا "بالعنف الموضوعي" ليس اتجاه الطبيعة فقط، بل اتجاه الانسان نفسه، بحيث تحولت الطبيعة ضده فأصبحت هي التي تهدده وتسعى الى التحكم فيه. ولذلك أصبح ملحا الان العمل على "التحكم في تحكمنا" كما يقول ميشيل سير حتى لا تتحول السيادة التي يشير اليها ديكارت الى عبودية في وقتنا الحاضر. ولا يتحقق هذا الا بالعودة الى الطبيعة واقامة عقد احترام وتصالح معها وفي نفس الوقت التصالح مع ذواتنا التي انهارت بفعل الحروب التي لم يجني من وراءها الانسان الا الدمار لوجوده ولمحيطه البيئي، وبالتالي فان هذا النقد الموجه لديكارت لا يعني تجريم التقنية وادانتها، بل المقصود ترشيدها واقامة نوع من الحكامة ازاءها.

   خلاصة تركيبية:   

   نستنتج من خلال ما سبق، أن فكرة السيطرة على الطبيعة قد راودت الانسان منذ بداياته الأولى لتبلغ ذروتها في العصر الحديث، لكن هذا التدخل المفرط من طرف الانسان أصبح يهدد كيانه في أوجه متباينة الى درجة الحاق أضرارا بالغة بالطبيعة والإنسان ذاته مادام أن الهدف مرهون الإنتاج فقط، فأصبح الإنسان اليوم في موقع الضعف والعبودية إزاء الطبيعة بدل أن يكون في موقع القوة والسيادة، وذلك بسبب تدميره للبيئة الطبيعية التي لا يمكن للإنسان الاستغناء عليها في حياته، وهذا ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول نتائج تطور التقنية، لذلك يمكن أن نتساءل: ما نتائج تطور التقنية؟

تعليقات