أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

🗒️ آخر المنشورات

المحور الثالث: نتائج تطور التقنية - مجزوءة الفاعلية والابداع (أولى بكالوري)

المحور الثالث : نتائج تطور التقنية

تقديم اشكالي للمحور:

   إذا كان الهدف من التقنية كوسيلة هو السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لصالح الانسان، فانه من الواضح أن لها تأثير كبير ليس فقط على الواقع المادي للإنسان، بل حتى على ذاته وطريقة تفكيره، مما يعني أنها وضعته أمام مأزق وجودي بفعل ما أحدثته من مظاهر التخريب والهدم لمحيطه البيئي. وهو الأمر الذي جعل موضوع التقنية موضوعا اشكاليا بحكم المفارقات التي خلقتها في ذهن الانسان، بحيث دفعته أحيانا الى التشكيك في وجودها وفي علاقتها بوجوده كانسان. ومن هذا المنطلق نتساءل: 

ما هي نتائج واثار تطور التقنية على الوجود الإنساني؟ 

ولماذا تحولت التقنية إلى قوة مسيطرة على مصير العالم ؟

وكيف نتمثل انعكات تطورها على وضعية الانسان ؟ أهي سلبية أم إيجابية ؟

 

   موقف هربرت ماركوز (1898 - 1979)   

  

    في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد" يحذر  الفيلسوف الألماني هربرت ماركوز من خطر التقنية التي تسير باتجاه إخضاع الإنسان والسيطرة عليه، فالتقنية بالرغم من حضورها الايجابي في حياة الانسان كوسيلة لخلق اسباب راحته وازدياد انتاجيته الا أنها في نهاية المطاف ليست سوى مظهر لفكر أصبح يمثل سلطة وهيمنة في حد ذاته، فالتقنية تتحدى الإنسان وتبرهن على استحالة أن يعيش مستقلاً أو منفرداً أو معزولاً عنها، ومنه تصير التقنية ضرورة من ضرورات الانسان لا يستغني العيش بدونها، لذلك فهي تسيطر عليه وتخضعه لها وهو ما يسميه ماركوز بالإخضاع المكثف. إنه الخضوع للآلة ولأسياد الآلة المتحكمين بها. وفي هذا الـلا إستغناء تغيب حرية الفرد ويصير الخضوع واللاحرية أمراً مشروعاً. وهنا يستحضر ماركوز قولة ماركس حين قال « الطاحونة الهوائية تفرز مجتمعا اقطاعيا، والطاحونة البخارية تفرز مجتمعا رأسماليا مصنعا ». وبهذا فقد نجحت التقنية في أن تصنع إنسانا على مقاسها الخاص وأفقدته أن تكون له ميزات خاصة به فجعلت منه إنساناً مقلدا، مستهلكا، متماهيا معها.
 

   موقف أسولد شبينغلر (1880-1936)   

   ينظر الفيلسوف الألماني أسولد شبينغلر الى التقنية في علاقتها بالوجود الانساني بكونها العلة التي دفعت الإنسان إلى الابتكار والاختراع والإبداع. فالتقنية لا تتحدد في الأجهزة أو الآلات أو المخترعات كما يعتقد، بل هي خطة للحياة وسلوك هادف دفع الإنسان إلى أن يخترع و يبتكر ويبدع من أجل خلق أسباب الراحة والسعادة للوجود الانساني. فالأصل في التقنية هو التأمل والتفكير وليس النتيجة. فالنتيجة متغيرة متبدلة، أما الفكرة الأم فهي ثابتة مستقرة وهي الفكرة التقنية. فعلى سبيل المثال الهاتف المتنقل بأشكاله وأنواعه وطرازاته المتعددة والمتغيرة ليس "تقنية" بل التقنية هي فكرة الاتصال عن بعد. وهكذا حسب شبنغلر: " إن ما يهم ليس هو شكل الأشياء، ولا كيف نصفها، ولكن ما نفعله بها، وكيف نستخدمها. فما يهم، ليس السلاح بل الحرب ". 

   ونفس التصور يعبر عنه المفكر الألماني يورغن هابرماس (18-06-1929) حينما أكد بأن تطور التقنية في عصرنا ليس سوى امتدادا لوظائف الجسم الانساني، هذا الامتداد الذي يتوافق مع بنية النشاط العقلاني وغايته تحقيق النجاح من خلال بنية الشغل.

 

   خلاصة تركيبية:   

   نستنتج من خلال ما سبق، أن التقنية بالفعل لها تأثير كبير على مستوى الوجود الانساني خصوصا عندما التحمت بالعلم وحققت فكرة السيادة على الطبيعة. لكن هذه السيادة أيضا أدت الى نتائج عكسية، حيث أن التقدم التكنولوجي أدى الى ارتفاع تسب عالية من البطالة وانتشار المجاعات والصراعات المسلحة وتهديد بيئة الانسان، لتتحول الثورة التقنية الى مصدر بؤس انساني، مما يعني ضرورة فرض حكامة عقلانية مقننة على تطور الفكر التقني.

تعليقات