سلسلة الأمثلة من الواقع
(مفهوم الشخص - مجزوءة الوضع البشري)
المحور الأول : هوية الشخص
أمثلة من الواقع دفاعا عن الأطروحة القائلة : العقل أساس هوية الشخص (ديكارت)
يمكن الدفاع عن الأطروحة القائلة إن العقل أساس هوية الشخص من خلال مثال واقعي يتمثل في حالة العامل الأمريكي "فينياس غيج" الذي تعرض لحادث مروّع عام 1848، حيث اخترق قضيب حديدي جمجمته وأتلف فصّه الجبهي، فنجا جسدياً لكنه فقد شيئاً أعمق من الجسد. قبل الحادث، كان غيج رجلاً متزناً مسؤولاً يتخذ قرارات رشيدة ويحظى باحترام من حوله، أما بعده فقد أصبح متقلب المزاج، طائش القرارات، عدواني السلوك، حتى قال عنه أصدقاؤه وأطباؤه: "غيج لم يعد غيج". والملاحظ هنا أن جسده لم يتغيّر، وذاكرته ظلّت سليمة، لكن هويته تبخّرت تماماً لأن ملكة العقل التي تتحكم في الحكم والإرادة والسلوك قد تضرّرت. وهذا بالضبط ما يُثبت الأطروحة القائلة بأن العقل هو أساس هوية الشخص، إذ حين أُصيب العقل انهارت الهوية رغم سلامة الجسد، مما يعني أن ما يجعلنا نحن ليس المادة البيولوجية، بل الوعي والتفكير والقدرة على الحكم العقلاني، وهو ما أكده الفيلسوف ديكارت حين ربط الهوية الشخصية بالفكر لا بالجسد ....
يمكن الدفاع عن الأطروحة القائلة إن العقل أساس هوية الشخص من خلال مثال واقعي يتمثل في الشخص المصاب بمرض الزهايمر المتقدم. فالمريض في مراحله الأخيرة يظل جسده حاضراً، ووجهه معروفاً، وصوته مألوفاً، لكن ذويه يصفون ما يعيشونه بـ"الحداد على حيّ"، لأن الشخص الذي أحبّوه لم يعد موجوداً رغم أنه لا يزال يتنفس أمامهم. فالمريض لا يعرف اسمه، ولا يتذكر أبناءه، ولا يستطيع اتخاذ أبسط القرارات أو إدراك ما يجري حوله، فتنهار شخصيته القديمة بالكامل ويصبح كأنه إنسان آخر تماماً. وما يجعل هذه الحالة دليلاً دامغاً على الأطروحة هو أن الجسد باقٍ والملامح ذاتها، لكن الهوية اختفت بالتوازي مع تآكل العقل، مما يكشف أن ما كان يُشكّل هذا الشخص ويميّزه عن غيره لم يكن جسده البيولوجي، بل كان عقله الواعي، ذاكرته، قدرته على التفكير والتعرف والحكم، وحين رحل العقل رحلت معه الهوية، ولم يبقَ سوى قشرة جسدية فارغة من الذات.
أمثلة من الواقع دفاعا عن الأطروحة القائلة : الشعور المقترن بالفكر أساس هوية الشخص (جون لوك)
يُعدّ مثال هيلين كيلر من أبلغ الأمثلة الواقعية دفاعاً عن هذه الأطروحة بأن الشعور المصاحب بالفكر أساس هوية الشخص. فهيلين كيلر امرأة أمريكية فقدت بصرها وسمعها في عمر التاسعة عشر شهراً إثر مرض حاد، فنشأت في عالم من الصمت والظلام التام، عاجزة عن التواصل مع من حولها، تتصرف كالحيوان بحسب وصف معلمتها آن سوليفان. وفي تلك المرحلة، رغم أن جسدها كان سليماً وعقلها كامناً فيها، كانت تفتقر إلى أي هوية حقيقية، لأنها لم تكن تشعر بنفسها ولم تكن تفكر في ذاتها. والتحول الجوهري حدث حين لمست معلمتها يدها تحت الماء الجاري وكتبت على راحتها كلمة "ماء"، فأدركت هيلين فجأة أن لكل شيء اسماً، وأن لها هي أيضاً اسماً، وفي تلك اللحظة بالذات تقول في مذكراتها إنها شعرت لأول مرة بأنها موجودة. فالشعور بالذات اقترن بفكرة الاسم والمعنى، وفي تلك اللحظة وُلدت هويتها. وهذا ما تُثبته الأطروحة تماماً، إذ لم يكن الجسد وحده كافياً لصنع الهوية، ولا العقل المجرد الكامن دون وعي، بل الذي صنع هيلين كيلر وميّزها عن كل شيء آخر هو ذلك الشعور العميق المقترن بفكرة الذات، حين أحسّت بنفسها وفكّرت في وجودها في آنٍ واحد.
يمكن الدفاع عن الأطروحة القائلة إن الشعور المقترن بالفكر أساس هوية الشخص من خلال مثال واقعي لشخص يستيقظ من غيبوبة طويلة وهو ما يزال يحتفظ بذكرياته وأفكاره ومشاعره وعلاقاته بالآخرين، لذلك تعرّف على أسرته وأدرك ماضيه واستطاع التعبير عن أحاسيسه ومواقفه، وهو ما جعل المحيطين به يعتبرونه الشخص نفسه رغم التغيرات التي قد تكون أصابت جسده خلال فترة الغيبوبة. وهذا يدل على أن استمرارية الشعور بالذات والوعي بالأفكار والذكريات هي التي تمنح الإنسان هويته الشخصية وتجعله يشعر بأنه “الأنا” نفسه عبر الزمن. كما أن فقدان هذا الشعور أو اضطرابه يؤدي إلى اهتزاز الهوية، لأن الإنسان يصبح عاجزًا عن ربط حاضره بماضيه وعن إدراك ذاته بشكل مستمر. لذلك فالمثال يدعم الأطروحة الفلسفية التي ترى أن الشعور المقترن بالفكر هو الأساس الحقيقي لهوية الشخص، لأن الإنسان يعرف نفسه بواسطة وعيه وأفكاره لا بواسطة جسده الخاضع للتغير المستمر.
أمثلة من الواقع دفاعا عن الأطروحة القائلة : الإرادة أساس هوية الشخص (شوبنهاور)
يمكن تقديم مثال واقعي للدفاع عن الأطروحة الفلسفية القائلة إن الإرادة أساس هوية الشخص من خلال
قصة "هيلين كيلر" التي فقدت حاستي السمع والبصر منذ طفولتها، وكان من الممكن أن تعيش معزولة وعاجزة عن التواصل مع العالم. لكن بفضل إرادتها القوية وإصرارها على التعلم، استطاعت أن تتعلم القراءة والكتابة، ثم أصبحت كاتبة ومحاضِرة تدافع عن حقوق ذوي الإعاقة.
هذا المثال يبرز أن الإنسان لا تحدده إعاقته الجسدية أو ظروفه الطبيعية، بل تحدده إرادته وقدرته على تجاوز العوائق وتحقيق أهدافه. فإرادة هيلين كيلر هي التي صنعت هويتها كشخصية ناجحة ومؤثرة، وجعلتها تحافظ على ذاتها وتؤكد وجودها داخل المجتمع.
المثال الأول:
يمكن تقديم مثال واقعي للدفاع عن الأطروحة الفلسفية القائلة إن الإرادة أساس هوية الشخص من خلال
قصة "ستيفن هوكينج". فقد شُخّص هذا العالم الفيزيائي البريطاني في عمر الحادية والعشرين بمرض التصلب الجانبي الضموري، وهو مرض يشلّ العضلات تدريجياً حتى يُقعد صاحبه تماماً، وأخبره الأطباء أنه لن يعيش أكثر من سنتين. لكن هوكينج رفض بإرادته أن يكون المرض هو من يُعرّفه، فواصل أبحاثه وأنتج أعمق النظريات في الفيزياء الكونية وعاش أكثر من خمسة وخمسين سنة بعد التشخيص. وما يجعل هذا المثال دليلاً على الأطروحة هو أن جسده استسلم كلياً للمرض، لكن هويته كعالم ومفكر وإنسان لم تستسلم لحظة واحدة، لأنها كانت قائمة على إرادته في الاختيار والاستمرار، فالإرادة هي التي صنعت هوكينج لا جسده المقعد.
أمثلة من الواقع دفاعا عن الأطروحة القائلة : الصراع النفسي (اللاشعور) أساس هوية الشخص (فرويد)
يمكن تقديم مثال واقعي للدفاع عن الأطروحة القائلة إن اللاشعور أساس هوية الشخص من خلال حالة الأشخاص الذين يعانون من ا
لرُّهاب أو الخوف غير المبرَّر. فمثلاً، قد نجد شخصًا يخاف بشدة من الماء دون أن يعرف السبب، وعندما يخضع للعلاج النفسي يكتشف أن هذا الخوف مرتبط بصدمة عاشها في طفولته ونسيها شعوريًا، كحادثة غرق أو موقف مخيف. ورغم أنه لم يكن واعيًا بهذه الذكرى، فإنها ظلت كامنة في لاشعوره وتؤثر في سلوكه واختياراته ومشاعره.
هذا المثال يبين أن جزءًا مهمًا من شخصية الإنسان لا يتحكم فيه الوعي فقط، بل تحدده دوافع ورغبات وذكريات لاشعورية تؤثر في تصرفاته دون أن يشعر. لذلك اعتبر سيغموند فرويد أن اللاشعور يشكل أساس الهوية النفسية للشخص، لأنه يحتوي على الرغبات المكبوتة والتجارب العميقة التي توجه السلوك الإنساني.
المثال الأول:
يمكن تقديم مثال واقعي للدفاع عن الأطروحة القائلة بأن اللاشعور أساس هوية الشخص من خلال
القصة الشهيرة للمريضة "آنا"، وهي مريضة الطبيب النمساوي يوزف برويز الذي عمل معها لاحقاً الدكتور فرويد، مثالاً واقعياً بالغ الدلالة على هذه الأطروحة. فآنا أو كانت فتاة نمساوية مثقفة تعاني من أعراض غريبة ومتعددة كالشلل المفاجئ والعمى المؤقت واضطرابات الكلام والهلوسة، دون أي سبب عضوي واضح يفسرها. وحين خضعت للعلاج بالحديث، تكشّف تدريجياً أن هذه الأعراض كلها كانت تعبيراً رمزياً عن صدمات ومشاعر مدفونة في لاشعورها، مرتبطة بمرض أبيها وموته وما رافق ذلك من مشاعر ذنب وحزن وغضب لم تستطع التعبير عنها بوعي. والمذهل أن آنا لم تكن تعلم شيئاً عن هذه المشاعر الدفينة، لكنها كانت تتحكم في سلوكها وجسدها وطريقة تعاملها مع العالم من وراء ستار اللاشعور. وما يجعل هذا المثال دليلاً ساطعاً على الأطروحة هو أن هوية آنا الحقيقية لم تكن في ما تقوله أو تفكر فيه بوعي، بل كانت مخبأة في تلك الطبقة العميقة من نفسها التي لا تراها، فحين أُفرج عن محتوى اللاشعور بالكلام اختفت الأعراض، مما يُثبت أن ما كان يُشكّل هويتها ويتحكم في وجودها لم يكن عقلها الواعي بل لاشعورها الدفين.
المحور الثاني : الشخص بوصفه قيمة
أمثلة من الواقع دفاعا عن الأطروحة القائلة : للشخص قيمة أخلاقية أساسها العقل العملي (كانط)
يمكن تقديم مثال "نيلسون مانديلا" للدفاع عن الأطروحة القائلة بأن للشخص قيمة أخلاقية أساسها العقل العملي، فحين عُرض عليه الإفراج عنه بعد سنوات طويلة من السجن، مقابل أن يتخلى عن مبادئه ويتبرأ من نضاله ضد الفصل العنصري. كان بإمكانه أن يقبل العرض دفعاً للألم وحباً في الحرية، غير أنه رفض رفضاً قاطعاً، لا لأنه لا يكترث بحريته، بل لأن عقله العملي أملى عليه أن كرامة الإنسان لا تُباع ولا تُساوَم، وأن القبول بهذا الشرط معناه أن يتحول من شخص إلى مجرد أداة في يد النظام. وهنا تتجلى الأطروحة بوضوح: فقيمة مانديلا الأخلاقية لم تكن مستمدة من قوته أو مكانته، بل من كونه كائناً عاقلاً قادراً على أن يُشرّع لنفسه مبادئ كلية والتزم بها حتى في أشد اللحظات قسوة. فالعقل العملي هو ما جعل منه شخصاً بالمعنى الأخلاقي الحقيقي، أي غاية في ذاته لا وسيلة لغيره.
يمكن تقديم مثال "أنتيغون" للدفاع عن الأطروحة القائلة إن للشخص قيمة أخلاقية أساسها العقل العملي؛ فشخصية أنتيغون أصرت على دفن أخيها بولينيكس، رغم أن الملك كريون أصدر قانونًا يمنع دفنه لأنه اعتبره خائنًا للمدينة. ومع ذلك، رفضت أنتيغون الخضوع لهذا القانون الوضعي، لأنها رأت بعقلها وضميرها الأخلاقي أن من واجبها الإنساني والديني تكريم الميت ودفنه. فهذا الموقف يبين أن القيمة الأخلاقية للشخص لا تقوم على طاعة القوانين خوفًا من العقاب، بل على قدرة الإنسان العاقل على التمييز بين الخير والشر والالتزام بما يراه واجبًا أخلاقيًا. لذلك جسدت أنتيغون الإنسان الذي يحتكم إلى العقل العملي والضمير الأخلاقي حتى لو كلفه ذلك حياته.
أمثلة من الواقع دفاعا عن الأطروحة القائلة : قيمة الشخص ترتبط بامتثاله لقوانين الجماعة ومدى قيامه بالواجب (هيجل)
يمكن الدفاع عن الأطروحة القائلة بأن قيمة الشخص ترتبط بامتثاله لقوانين الجماعة ومدى قيامه بالواجب من خلال مثال واقعي يرتبط بفترات الحجر الصحي خلال جائحة كورونا، إذ نجد التزم الكثير من المواطنين بقوانين الدولة مثل ارتداء الكمامة واحترام التباعد وعدم خرق إجراءات السلامة، رغم أن ذلك كان يقيّد حريتهم الشخصية أحيانًا. وقد فعلوا ذلك حفاظًا على سلامة المجتمع وحمايةً للآخرين من العدوى. فهذا السلوك يبين أن قيمة الشخص تظهر في احترامه لقوانين الجماعة وشعوره بالواجب تجاه المجتمع، لأن الإنسان لا يعيش منعزلًا بل داخل جماعة تحتاج إلى النظام والتعاون. فالشخص الذي يحترم القوانين ويؤدي واجبه يساهم في استقرار المجتمع وتحقيق المصلحة العامة، ولذلك يكتسب قيمة أخلاقية واجتماعية داخل الجماعة.
في كثير من الدول، نلاحظ أن القاضي النزيه الذي يطبق القانون بعدل،
حتى عندما يتعلق الأمر بأشخاص نافذين أو أقوياء، يحظى باحترام المجتمع
وتقديره. فقد يتعرض هذا القاضي لضغوط أو تهديدات تدفعه إلى مخالفة القانون
أو التهاون في أداء واجبه، لكنه يظل ملتزمًا بالقوانين التي تنظّم حياة
الجماعة، ويؤدي واجبه المهني والأخلاقي دون تحيز. فقيمة هذا الشخص لا ترجع
إلى مصالحه الخاصة أو مكانته الاجتماعية فقط، بل إلى كونه يجسد روح الواجب
واحترام النظام الجماعي. فالمجتمع يرى فيه نموذجًا للمواطن المسؤول الذي
يضع العدالة فوق المنفعة الشخصية، ولذلك يكتسب قيمة أخلاقية واجتماعية
كبيرة. وهذا يدل على أن الشخص يصبح ذا قيمة حين ينسجم سلوكه مع قوانين
الجماعة ويساهم، من خلال قيامه بالواجب، في حماية استقرار المجتمع وتحقيق
العدالة بين أفراده.
أمثلة من الواقع دفاعا عن الأطروحة القائلة : للشخص قيمة مادية ترتبط بالإنتاج والقدرة على الإنتاج (ماركس)
يمكن الدفاع عن الأطروحة القائلة بأن للشخص قيمة مادية ترتبط بالإنتاج والقدرة على الإنتاج من خلال مثال واقعي واضح عن ما عاشه عمال المناجم في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر، حين كانت قيمة الإنسان تُقاس حرفياً بما ينتجه من فحم يومياً لا بإنسانيته ولا بكرامته. فالعامل الذي يستطيع أن ينزل إلى أعماق الأرض ويستخرج كميات أكبر من الفحم كان يحظى بأجر أعلى ومكانة أفضل بين أقرانه، في حين أن العامل الذي يُصاب بمرض أو يفقد قدرته على العمل جراء حادثة في المنجم كان يُطرد ببساطة ويُستبدل به عامل آخر، دون أدنى اعتبار لسنوات خدمته أو معاناته الإنسانية. بل كان الأطفال يُزجّ بهم في أنفاق المناجم الضيقة لا لشيء إلا لأن أجسادهم الصغيرة تجعلهم أكثر قدرة على الوصول إلى الأماكن التي يعجز عنها الكبار، أي أنهم كانوا يكتسبون قيمة اقتصادية من قدرتهم الإنتاجية لا من كونهم بشراً. وفي هذا الواقع المرير تتجلى الأطروحة في أعنف صورها وأكثرها كشفاً، إذ إن المنظومة الرأسمالية الصناعية آنذاك كانت تتعامل مع الإنسان باعتباره أداة إنتاج تُقاس قيمتها بما تُخرجه لا بما تحمله من إنسانية، فإذا توقف الإنتاج توقفت القيمة، وإذا انتهت القدرة انتهى الاعتبار.
يمكن الدفاع عن الأطروحة القائلة بأن للشخص قيمة مادية ترتبط بالإنتاج والقدرة على الإنتاج من خلال مثال واقعي واضح عن حالة ما يعيشه لاعبو كرة القدم المحترفون في عالم الرياضة المعاصر، إذ تتجلى فيه بوضوح صارخ فكرة أن قيمة الشخص مادية ترتبط ارتباطاً مباشراً بقدرته على الإنتاج والأداء. فاللاعب الذي يسجل الأهداف ويصنع الفوارق في الملعب تتصارع عليه الأندية الكبرى وتدفع في سبيل اقتنائه مئات الملايين من اليوروهات، في حين أن اللاعب نفسه حين يُصاب بإصابة خطيرة أو يتجاوز سن الثلاثين ويبدأ مستواه في التراجع، يجد نفسه فجأة بلا عقد ولا اهتمام، كأن السنوات التي أفنى فيها جسده في خدمة النادي لم تكن. وقد عاش هذه التجربة بمرارة كثير من النجوم الكبار، الذين كانوا يملؤون الملاعب والصفحات الأولى للجرائد، ثم لم يجدوا من يتذكرهم حين توقف إنتاجهم. وفي هذا المثال تتجلى الأطروحة بصورة حية ومؤلمة، إذ إن المنظومة الاقتصادية للرياضة الحديثة لا تتعامل مع اللاعب بوصفه إنساناً له كرامة مستقلة عن أدائه، بل بوصفه سلعة تُقدَّر قيمتها بما تُدره من أرباح ومشاهدات، فإذا جفّ المعين المادي جفّ معه الاعتبار.
المحور الثالث : الشخص بين الضرورة والحرية
أمثلة من الواقع دفاعا عن الأطروحة القائلة : حرية الشخص مشروطة بالوعي بالضرورة (اسبينوزا)
ومن أبلغ الأمثلة على ذلك سيرة العالم الفيزيائي ستيفن هوكينج، الذي أُصيب في شبابه بمرض التصلب الجانبي الضموري الذي شلّ جسده شيئاً فشيئاً حتى حرمه من القدرة على الحركة والكلام. فكان بإمكانه أن يستسلم لهذا الواقع القاسي ويرى في مرضه سجناً لا فكاك منه، غير أنه فعل عكس ذلك تماماً، إذ أدرك بوعي عميق طبيعة قيوده الجسدية وحدودها الحقيقية، فلم يُضع طاقته في التمرد على ما لا يمكن تغييره، بل وجّه كل طاقته العقلية نحو ما يملكه فعلاً، أي عقله الحر الذي لم يمسه المرض. فكان الوعي بضرورة مرضه هو بالضبط ما أطلق حريته الحقيقية، لا ما قيّدها. ولم يكتفِ بذلك بل حوّل قيوده إلى أداة إبداع، فطوّر نظريات ثورية في الفيزياء الكونية وكتب مؤلفات أثّرت في ملايين البشر حول العالم. وفي هذا المثال تتجلى الأطروحة في أصدق صورها، إذ إن هوكينج لم يكن حراً رغم قيوده بالمعنى الساذج للكلمة، بل كان حراً لأنه وعى تلك القيود وعياً تاماً وأدرك حدود الضرورة التي تحكمه، فانطلق داخلها لا خارجها. فالحرية الحقيقية وفق هذه الأطروحة ليست الهروب من الضرورة، بل هي الوعي بها والتحرر من وهم تجاوزها.
يمكن الدفاع عن الأطروحة الفلسفية القائلة بأن حرية الشخص مشروطة بالوعي بالضرورة من خلال مثال واقعي بسيط وواضح، فالشخص الذي يقود سيارة في طريق جبلي خطير أثناء هطول المطر مثلا، فإذا ما اعتقد أن الحرية تعني أن يقود بالسرعة التي يريد دون احترام قوانين السير وظروف الطريق، فقد يتعرض لحادث خطير. أمّا إذا كان واعيًا بضرورة احترام المنعرجات، والسرعة المحددة، وحالة الطريق، فإنه يختار سلوكه عن فهم وإدراك، فيصل بسلام.
في هذا المثال، لم تُلغَ حرية السائق بسبب القوانين أو ظروف الطبيعة، بل على العكس، فوعيه بهذه الضرورات هو الذي مكّنه من ممارسة حريته بشكل عقلاني وآمن. فالإنسان يكون أكثر حرية عندما يفهم الشروط والقيود التي تحكم الواقع ويتصرف وفقها، لا عندما يتجاهلها. وهذا ينسجم مع تصور الفيلسوف باروخ سبينوزا الذي يرى أن الحرية الحقيقية لا تعني التحرر من الضرورة، بل فهمها والوعي بها.
أمثلة من الواقع دفاعا عن الأطروحة القائلة : الشخص كائن وجودي حر ومسؤول عن ذاته وغيره (سارتر)
ومن أبلغ الأمثلة على ذلك سيرة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر نفسه إبان الاحتلال النازي لفرنسا، حين وجد نفسه أمام خيار وجودي حقيقي لا مفر منه. فلم يكن بإمكانه أن يتذرع بالظروف أو يلوم التاريخ أو يختبئ خلف أيديولوجيا جاهزة، بل كان عليه أن يختار بمحض إرادته موقفه من الاحتلال، فاختار المقاومة وكتابة المسرحيات والمقالات التي تُوقظ الوعي الفرنسي وتدعو إلى التمرد على الاستسلام. والأعمق من ذلك أنه حين جاءه طالب شاب ممزق بين البقاء مع أمه المريضة التي لا معيل لها والالتحاق بصفوف المقاومة لتحرير وطنه، لم يُقدم له سارتر إجابة جاهزة ولم يُحل بينه وبين اختياره، بل قال له بكل وضوح إنك حر وعليك أن تختار، لأن الاختيار مهما كان ثمنه هو جوهر وجودك الإنساني. وفي هذا الموقف تتجلى الأطروحة في أعمق صورها، إذ إن الإنسان وفق الوجودية لا يملك أن يهرب من حريته ولا أن يُلقي بمسؤولية اختياراته على الآخرين أو على الظروف، بل هو محكوم عليه بالحرية كما قال سارتر، وكل اختيار يتخذه لا يُعبر عن نفسه وحده بل يرسم صورة لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، فتغدو مسؤوليته مسؤولية وجودية تطال الإنسانية جمعاء.
يمكن الدفاع عن الأطروحة الفلسفية القائلة إن الشخص كائن وجودي حر ومسؤول عن ذاته وغيره من خلال مثال واقعي واضح، فخلال انتشار وباءٍ معدٍ مثلا، قد يختار شخصٌ الالتزام بالإجراءات الوقائية مثل ارتداء الكمامة وتجنب نقل العدوى للآخرين. هذا السلوك لم يُفرض عليه فقط بالقوة، بل نابع من وعيه بحريته ومسؤوليته تجاه نفسه وتجاه المجتمع. فهو يدرك أن أفعاله لا تؤثر عليه وحده، بل قد تحمي حياة الآخرين أو تعرضهم للخطر.
في هذا المثال يتجلى أن الإنسان كائن حر لأنه قادر على الاختيار واتخاذ القرار، لكنه في الوقت نفسه مسؤول عن نتائج أفعاله تجاه ذاته والغير. لذلك فالحرية ليست مجرد فعل ما نريد، بل تحمل تبعات أخلاقية واجتماعية.
أمثلة من الواقع دفاعا عن الأطروحة القائلة : حرية الشخص مقيدة بحتميات نفسية سيكولوجية (فرويد)
ومن الأمثلة الواقعية الدالة على ذلك أيضاً تجربة الفرنسي نابليون بونابرت، الذي يبدو للوهلة الأولى نموذجاً للإرادة الحرة المطلقة والعزيمة التي لا تُقهر، غير أن التأمل العميق في مساره يكشف أن حتميات نفسية راسخة كانت تتحكم في قراراته الكبرى وتدفعه نحو مصيره دون أن يملك مقاومتها. فقد نشأ نابليون طفلاً منبوذاً في كورسيكا يتحدث الفرنسية بلكنة أجنبية ويُسخر منه زملاؤه في المدرسة العسكرية، فتشكّل في أعماقه جرح نرجسي عميق وحاجة قهرية إلى الإثبات والتفوق لم تهدأ يوماً مهما بلغ من مجد. فكانت انتصاراته العسكرية لا تُشبعه بل تزيده ظمأً إلى المزيد، وكانت حتميته النفسية تدفعه دائماً نحو المغامرة التالية حتى حين كان عقله يُدركه أن التوقف أحكم. وقد تجلى ذلك في قراره الكارثي بغزو روسيا عام 1812، الذي حذره منه مستشاروه وأملته عليه الحسابات العقلية خطأً، غير أن تلك الحتمية النفسية الداخلية القائمة على عدم القدرة على القبول بالحدود دفعته إليه دفعاً لا يُرد. وفي هذا المثال تتجلى الأطروحة في صورة بالغة الدلالة، إذ إن نابليون الذي كان يُخيّل للعالم ولنفسه أنه سيد إرادته المطلقة، كان في حقيقة الأمر أسير حتمياته النفسية التي رسمت مساره وحددت نهايته قبل أن يرسمها هو بيده.
يمكن الدفاع عن الأطروحة الفلسفية القائلة إن حرية الشخص مقيدة بحتميات نفسية سيكولوجية من خلال مثال واقعي واضح، ويتجلى ذلك في الشخص الذي يعاني من الخوف الشديد من التحدث أمام الجمهور. فعلى الرغم من رغبته في إلقاء عرض أمام زملائه أو التعبير عن أفكاره بحرية، فإنه يتردد ويتلعثم وربما ينسحب بسبب القلق والخوف الداخلي الذي يسيطر عليه.
في هذا المثال تبدو حرية الشخص محدودة بعوامل نفسية لا يتحكم فيها بشكل كامل، مثل الخوف والقلق والعقد النفسية. فالفرد لا يتصرف دائمًا وفق إرادته الواعية فقط، بل تؤثر فيه دوافع وانفعالات لاشعورية قد توجه سلوكه دون أن يشعر. وهذا ما أكده سيغموند فرويد حين اعتبر أن الإنسان خاضع لتأثير اللاشعور والرغبات المكبوتة، مما يجعل حريته ليست مطلقة بل مقيدة بحتميات نفسية داخلية.
أمثلة من الواقع دفاعا عن الأطروحة القائلة : حرية الشخص مقيدة بحتميات سوسيولوجية (دوركهايم)
ومن أبلغ الأمثلة على ذلك تجربة الأطفال الذين يولدون في أحياء الفقر والتهميش في المدن الكبرى، كما وثّقتها الدراسات الاجتماعية في أحياء مثل مدينة الصدر في بغداد أو الضاحية الجنوبية في بيروت أو مناطق الفقر في شيكاغو. فهؤلاء الأطفال يأتون إلى الحياة وهم يحملون من حيث لا يدرون أثقالاً سوسيولوجية هائلة، فالحي الذي يولدون فيه يحدد المدرسة التي يلتحقون بها ومستواها، والمدرسة تحدد مستوى تعليمهم، والتعليم يحدد فرص عملهم، وفرص العمل تحدد دخلهم، والدخل يحدد الحي الذي سيسكنه أبناؤهم من بعدهم، فتدور الدائرة وتتكرر الحتمية الاجتماعية جيلاً بعد جيل. وقد أثبت عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو من خلال مفهومه الشهير "الرأسمال الثقافي" أن الطبقة الاجتماعية التي يولد فيها الإنسان تُشكّل لاوعيه وذوقه وطموحاته وحدود ما يتصور أنه ممكن له، قبل أن يملك عقلاً واعياً يختار به. فالابن الذي يرى أباه يعمل عاملاً يومياً لا يرى في أعماقه مستقبلاً مختلفاً لا لأنه يعجز عن التخيل، بل لأن البنية الاجتماعية المحيطة به تُعيد إنتاج نفسها فيه وتُضيّق أفق ما يبدو له ممكناً. وفي هذا المثال تتجلى الأطروحة في صورتها الأكثر صدقاً وإيلاماً، إذ إن حرية هؤلاء الأشخاص لم تُقيّدها إرادتهم الضعيفة ولا طموحاتهم المحدودة، بل قيّدتها حتميات سوسيولوجية نسجت حولهم شبكة خفية من القيود قبل أن يولدوا، وظلت تتحكم في مساراتهم حتى حين ظنوا أنهم يختارون بحرية.
ومن الأمثلة الواقعية الدالة على ذلك، تجربة المرأة في المجتمعات المحافظة، التي تكشف بجلاء كيف تتحول الحتميات السوسيولوجية إلى سجن غير مرئي يُقيّد حرية الشخص قبل أن يملك وعياً باختياراته. فالفتاة التي تولد في بيئة تقليدية لا تختار منذ طفولتها الألعاب التي تلعبها ولا الملابس التي ترتديها ولا الأدوار التي تتخيلها لنفسها في المستقبل، بل تجد كل ذلك معداً لها سلفاً من قبل منظومة اجتماعية صاغت توقعاتها وحدود طموحاتها قبل أن تنطق بأول كلمة. وحين تكبر وتُفكر في مواصلة تعليمها أو اختيار شريك حياتها أو ممارسة مهنة بعينها، تجد أمامها لا جداراً صلباً ظاهراً بل شيئاً أخطر من ذلك، وهو صوت داخلي يُقنعها بأن هذا الاختيار ليس لها وأن ذلك الطموح أكبر منها، وهو صوت ليس صوتها في حقيقته بل صوت المجتمع الذي زرع نفسه في داخلها حتى صارت تحرس قيوده بنفسها. وقد رصدت عالمة الاجتماع الفرنسية سيمون دو بوفوار هذه الظاهرة بدقة حين قالت إن المرأة لا تولد امرأة بل تُصنع، في إشارة إلى أن الهوية والحدود التي تعيش داخلها ليست طبيعة فطرية بل بناء اجتماعي فُرض عليها تدريجياً حتى بدا لها طبيعياً. وفي هذا المثال تتجلى الأطروحة في أعمق صورها، إذ إن القيد الأشد وطأة ليس ذلك الذي يراه الإنسان ويحاول كسره، بل ذلك الذي استبطنه حتى صار يظنه حرية.