🗒️ آخر المنشورات

المحور الثاني : الوعي واللاوعي - تحليل نص "فرضية اللاشعور" لسيجموند فرويد


المحور الثاني : الوعي واللاوعي

(مفهوم الوعي واللاوعي - مجزوءة ما الإنسان؟)

     1 . تقديم اشكالي للمحور:

   احتلّ مفهوم الوعي مكانة بارزة في الفلسفة الحديثة، خاصة مع الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت، الذي أكد من خلال الكوجيطو «أنا أفكر، إذن أنا موجود» أن التفكير أساس إثبات وجود الذات ووعيها بذاتها. غير أن الفلسفة المعاصرة أعادت النظر في هذا التصور، من خلال إبراز دور اللاوعي في توجيه السلوك الإنساني وتأثيره في تحديد حقيقة الذات. ومن هنا يمكن طرح الإشكال الآتي: 

  • هل يتحدد وجود الذات الإنسانية بالوعي وحده، أم أن فهمها يقتضي الانفتاح على اللاوعي؟ 
  • وهل تخضع تصرفات الإنسان لسلطة الشعور أم لتأثيرات اللاشعور؟ وما طبيعة العلاقة القائمة بينهما؟ 
  • وهل اللاشعور يتحدد في طبيعته الذاتية فقط أم أنه يتجاوز ذلك إلى ماهو جمعي اجتماعي؟

    2. تحليل نص "فرضية اللاشعور" لسيجموند فرويد Sigmund Freud (1956-1939) (ك. في رحاب الفلسفة ص 18)

   * أطروحة النص:

   يؤكد فرويد أن اللاشعور هو أساس الحياة النفسية وأعمق مكوناتها، إذ يضم مختلف الظواهر النفسية غير الواعية، كالرغبات المكبوتة والأحلام والمخاوف الهيستيرية، مما يبرز تأثيره الكبير في سلوك الإنسان وحالته النفسية.

   * أفكار النص:

  1. يرفض فرويد المبالغة في تقدير الشعور، ويؤكد أن فهم الحياة النفسية يقتضي الاعتراف بأهمية اللاشعور باعتباره أساسًا لفهم حقيقة النفس الإنسانية.
  2. يرى فرويد أن الأحلام نتاج نشاط لاشعوري، يتجلى من خلال تخيلات ورموز تعبّر عن رغبات ودوافع خفية.
  3. يؤكد أن اللاشعور لا يقتصر على فترة النوم، بل يستمر في التأثير في الإنسان أثناء اليقظة أيضًا.
  4. تتجلى تأثيرات اللاشعور في الاندفاعات الجنسية والمخاوف الهستيرية وغيرها من الاضطرابات النفسية.
  5. يعتبر فرويد أن الشعور لا يكشف حقيقة الحياة النفسية كاملة، بل قد يخفي دوافع ورغبات لاشعورية تتحكم في سلوك الإنسان.

   * مفاهيم النص:

 - الشعور: هو مجموع الحالات النفسية الواعية التي يدركها الإنسان مباشرة، كالأفكار والتمثلات والانفعالات، ويسهم في تحقيق التوازن النفسي من خلال التوفيق بين الرغبات الداخلية ومتطلبات الواقع الاجتماعي والأخلاقي.
- اللاشعور: هو جانب من الحياة النفسية يضم الدوافع الفطرية والرغبات المكبوتة والتجارب المؤلمة التي لا تدركها الذات مباشرة، لكنها تؤثر في سلوكها وتوجه تصرفاتها.
- الحلم: هو نشاط نفسي يحدث أثناء النوم، ويعتبره التحليل النفسي تعبيرًا رمزيًا عن رغبات ومخاوف ودوافع لاشعورية.
- الرمزية: هي التعبير عن فكرة أو رغبة بواسطة رمز يحل محلها، وتظهر في الأحلام من خلال صور وعناصر رمزية يستخدمها اللاشعور للتعبير عن محتوياته الخفية.

  * حجاج النص:

   اعتمد صاحب النص في بناء أطروحته على مجموعة من الآليات الحجاجية، أبرزها النفي والمقارنة والإثبات، حيث نفى أن يكون الشعور أساس الحياة النفسية، وأكد أن اللاشعور هو واقعها الحقيقي. كما وظّف المقارنة بين الشعور واللاشعور، والتفسير من خلال اعتبار الحلم تعبيرًا رمزيًا عن رغبات لاشعورية مكبوتة. واختتم بآلية الاستنتاج، مبرزًا أن النشاط الشعوري قد يتسم بالتضليل وإخفاء حقيقة الحياة النفسية.

3 . مناقشة النص:

 * قيمة وحدود أطروحة النص:

   تُعد فرضية اللاشعور عند سيغموند فرويد من أهم أسس التحليل النفسي، إذ ساهمت في الكشف عن الجوانب الخفية للحياة النفسية، وتفسير بعض الاضطرابات النفسية والسلوكات التي لا يستطيع الشعور وحده تفسيرها. فقد اعتبر فرويد أن الإنسان يتأثر برغبات ودوافع وذكريات مكبوتة تؤثر في سلوكه دون وعي منه. ورغم أهمية هذه الفرضية، فإنها تعرضت لعدة انتقادات.

  • أولًا، صعوبة التحقق التجريبي من مفاهيمها، لأن الظواهر اللاشعورية لا يمكن ملاحظتها وقياسها بشكل مباشر، مما يثير تساؤلات حول مدى علميتها.
  • ثانيًا، مبالغة فرويد في التركيز على الدوافع الجنسية، مع إهمال نسبي للعوامل الاجتماعية والثقافية والتربوية التي تساهم في تشكيل الشخصية. 
  • ثالثًا، إن التركيز على اللاشعور قد يقلل من أهمية الإرادة الواعية والتفكير العقلاني في توجيه السلوك، فالإنسان قادر على التفكير في أفعاله واتخاذ قراراته وتغيير سلوكه.

     خلاصة القول، رغم مساهمة فرضية اللاشعور في فهم الحياة النفسية، فإنها تظل محدودة في بعض جوانبها، لذلك ينبغي تفسير سلوك الإنسان من خلال التفاعل بين العوامل اللاشعورية والشعورية والاجتماعية، دون التركيز على عامل واحد فقط.

* المناقشة بموقف: غوستاف لوبون (1841-1931)

   يرى المفكر الفرنسي غوستاف لوبون أن اللاشعور لا ينحصر في أبعاده الفردية، ولا يستنفد معناه في الذكريات المنسية أو الأحلام المستترة في أعماق النفس، بل يمتد إلى فضاء أرحب، تتداخل فيه الذات بتاريخ الجماعة، ويتماهى فيه الفرد مع موروث ثقافي وحضاري ضارب في جذور الماضي السحيق. فالإنسان، في تصوره، ليس كيانًا مستقلاً عن تاريخه، وإنما هو، في جانب عميق من وجوده، امتداد لذاكرة جماعية تتوارثها الأجيال، وتستبطنها النفوس دون وعي صريح بمصادرها.

   ومن هذا المنظور، يتخذ اللاشعور بُعدًا جمعيًا يتجلى فيما يسميه لوبون روح العرق أو السلالة؛ أي ذلك الرصيد المتراكم من المعتقدات والتصورات والقيم والعادات والتمثلات الرمزية التي تصوغ وجدان الجماعة، وتوجّه سلوك أفرادها من وراء حجاب الوعي. فالماضي لا يمضي تمامًا، بل يظل مقيمًا في الحاضر، متخفيًا في أنماط التفكير، ومترسخًا في الطقوس الاجتماعية والدينية، ومتجسدًا في الممارسات التي يكررها الإنسان أحيانًا دون أن يدرك جذورها التاريخية أو دلالاتها العميقة.

 * المناقشة بموقف: اميل شارتيي (آلان) (1868-1951)

  يرفض ألان فرضية اللاشعور عند فرويد، معتبرًا أنها تبالغ في تفسير السلوك الإنساني اعتمادًا على ظواهر عادية، مثل الأحلام. ويرى أن اللاشعور مجرد شخصية أسطورية تخيلها علم النفس، وليس كيانًا مستقلًا يتحكم في الإنسان وله رغباته وحيله الخاصة. لذلك يؤكد ألان أن الإنسان مسؤول عن أفكاره، وأنها تصدر عن الذات الواعية والمفكرة، مما يجعله يدافع عن دور الشعور والإرادة في توجيه السلوك الإنساني.

    4 . خلاصة تركيبية للمحور:

   رغم أن الإنسان يسعى إلى الوعي بذاته والتحكم في أفكاره وأفعاله، فإنه لا يستطيع دائمًا إدراك جميع الدوافع التي توجه سلوكه، إذ يجد نفسه أحيانًا خاضعًا لرغبات ومكبوتات لاشعورية (ذاتية وجمعية) تؤثر في تصرفاته دون وعي منه. وهذا يدل على أن الشعور وحده لا يكفي لتفسير الحياة النفسية، بل إن فهم الإنسان يقتضي الأخذ بعين الاعتبار ما هو واعٍ وما هو خفي في ذاته. ومن هنا يمكن اعتبار الإنسان كائنًا نفسيًا مركبًا من بُعدين أساسيين، هما الشعور واللاشعور، يتفاعلان في تشكيل حياته النفسية وتوجيه سلوكه.
تعليقات